تخطَّ إلى المحتوى

عفت آية التسليم حين تأرجا

الطويل

٤٦ بيت

النسيب

عَفَتْ آيَةُ التَّسْليمِ حِينَ تَأرَّجَا

وَشَبَّ لَهيبُ الشَّوقِ في القَلْبِ سُرْجَا

رَمَتْنِي لِحَاظُ البَيْنِ عَنْ قَوْسِ جَفْوَةٍ

فَخَلَّفْتُ رُوحي في المَضارِبِ هُدَّجَا

أَمُرُّ عَلى الأَطْلالِ يَقْتُلُني الظَّمَا

وَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ البَيْنِ رَيَّانَ أَبْهَجَا

يَقُولُونَ: "صَبْرًا"، كَيْفَ وَالصَّبْرُ عِلَّةٌ

إِذا لمْ يَكُنْ طَعْمُ المَنِيَّةِ أَمْرَجَا؟

فَيا طِيبَ آلامِ الهَوى حِينَ تَصْطَلي

وَيَا سَعْدَ مَنْ في بَحْرِهِ قَدْ تَلَجْلَجَا

عَذَابُ اشْتِيَاقِي في الحَقيقةِ رَحْمَةٌ

كَنورٍ سَرَى في لَيْلَةِ الغَمِّ أَبْلَجَا

فَلا تَعْذِلُوا القَلْبَ القَتيلَ بِحُسْنِهَا

فَفي كُلِّ نَزْعٍ لِلْمُحِبِّ تَمَرُّجَا

تَجَرَّعْتُ كَأْسَ الوَجْدِ حُلْوًا ومُرَّها

وَشَاهَدْتُ بَرْقَ الوَصْلِ كَيْفَ تَوَلَّجَا

هُوَ الشَّوقُ ذَبَّاحٌ ونَحْنُ ضَحِيَّةٌ

فَطُوبَى لِمَنْ في سِجْنِهِ قَدْ تَخَرَّجَا

عَلِيلٌ تَمَنَّى المَوْتَ شَوْقاً لِرُؤْيَةٍ

وَقَدْ ضَاقَ ذَرْعاً بِالحَيَاةِ فَأَعْوَجَا

هِيَ الشَّمْسُ وافَتْ بالبَهَاءِ تَبَرُّجَا

وَأَرْخَتْ سُتُورَ الحُسْنِ لِلْفَجْرِ مَنْهَجَا

نَقِيَّةُ ثَغْرٍ كَاللَّآلِئِ نَظْمُهُ

إِذَا ضَحِكَتْ، بَانَ العَقِيقُ وَأَثْلَجَا

وَلَوْ نَظَرَتْ لِلْبَحْرِ يَوْمًا بِلَحْظِهَا

لَصَارَ أُجَاجُ المِلْحِ عَذْبًا مُمَزَّجَا

تَمِيسُ غَضِيضَ الطَّرْفِ في مِشْيَةِ الحَيَا

كَغُصْنٍ نَدِيٍّ فِي الرِّيَاضِ تَرَّجَا

رَمَتْ لُؤْلُؤَ الأَلْحَاظِ صَوْبِي بِنَبْلَةٍ

فَشَقَّتْ سَوَادَ القَلْبِ حَتَّى تَدَحْرَجَا

كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فَوْقَ جِيدِهَا

إِذَا أَقْبَلَتْ لَيْلًا أَنَارَ وَأَسْرَجَا

خَمِيصَةُ خَصْرٍ، فَرْعُهَا دُون مَنْكِبٍ

كَلَيْلٍ بَهِيمٍ بِالضِّياءِ تَبَلَّجَا

يَغَارُ القَمَارِي مِنْ رَخِيمِ نِدَائِهَا

وَيَعْبَقُ مِسْكٌ فِي المَدَى حِينَ أَرَجَا

سَبَتْنِي بِقَدٍّ كَالسِّنَانِ قَوامُهُ

وَوَجْهٍ جَلِيٍّ كَالنَّهارِ إِذَا اسْتَجَا

فَلا عَيْبَ فِيهَا غَيْرَ أَنَّ دَلالَهَا

أَبَاحَ لِقَلْبِي الذَّبْحَ ثُمَّ تَغَنَّجَا

نَزَحْتُ بِرُوحِي عَنْ دِيَارِيَ غُرْبَةً

وَإِنْ كَانَ جِسْمِي فِي المَنَازِلِ عَرَّجَا

فَمَا بَلَدِي إلَّا الَّذِي أَنْتِ سَكْنُهُ

وَمَا دُونَ ذَاكَ القُرْبِ صَارَ مُسَيَّجَا

غَرِيبٌ، وَأَنْفاسُ الحَنِينِ رَواحِلِي

نَهَجْتُ سَبِيلَ الوَجْدِ حَتَّى تَأَجَّجَا

أَرَى النَّاسَ حَوْلِي كَالظِّلالِ رَوِيَّةً

وَقَلْبِي بِفَيْفَاءِ المَواجِعِ أَدْلَجَا

نَفَتْنِي عَنِ الأَفْرَاحِ ذِكْرَى قَدِيمَةٌ

كَأَنِّيَ طَيْرٌ فِي الفَلاةِ تَمَعَّجَا

إِذَا قُلْتُ: هَذَا الشَّطُّ فِيهِ إِقَامَتِي

رَمَانِي مَوْجُ الشَّوْقِ حَتَّى تَمَوَّجَا

فَلا الأَرْضُ تَسْعَى كَيْ تُضَمِّدَ غُرْبَتِي

وَلا الفَجْرُ يَلْقَى لِلْخَلاصِ مَنَهْجَا

تَضِيقُ بِيَ الدُّنْيا الرَّحِيبَةُ كُلَّمَا

خَيَالٌ بَدَا لِي فِي المَنَامِ وَهَجَّجَا

كَأَنَّ بِلادِي مُنْذُ غِبْتِ مَقَابِرٌ

أَمُوتُ بِهَا وَجْدًا وَأُبْعَثُ أَهْوَجَا

فَيَا لَهَفَ نَفْسِي مَنْ لِقَلْبٍ مُشَرَّدٍ

تَقَاذَفَهُ هَمٌّ، وَبِالآهِ زُجِّجَا

وَلَيْلٍ طَويلِ الذَّيْلِ أَسْدَلَ سِتْرَهُ

عَلَيَّ بِأَوْصَابٍ، وَبِالهَمِّ أَمْشَجَا

تَمَطَّى بِصُلْبٍ نَاءَ عَنْ كُلِّ مَنْزِلٍ

وَأَرْدَفَ أَعْجَازاً، وَبِالصَّدْرِ أَزَّجَا

أُرَاقِبُ فِيهِ الفَرْقَدَيْنِ كَأَنَّمَا

عُيُونِيَ لِلْأَفْلاكِ صَارَتْ مَوْلِجَا

إِذَا مَا هَوَى نَجْمٌ، تَشَبَّثَ غَيْرُهُ

كَأَنَّ نَهَارَ الكَوْنِ ضَلَّ وَأَدْرَجَا

أَبِيتُ أُعِدُّ الرَّمْلَ فِيهِ وَأَنْطَوِي

عَلَى حُرَقٍ، لَوْ مَسَّتِ الصَّخْرَ نَجَّجَا

أُسَائِلُ عَنْ حَظِّي النُّجُومَ لَعَلَّها

تُبَشِّرُنِي أَنَّ الظَّلامَ تَفَلَّجَا

فَمَا جَاءَنِي الصُّبْحُ المُرَجَّى بِبَسْمَةٍ

وَلا طَيْفُ مَنْ أَهْوَى عَنِ القَلْبِ أَهْوَجَا

كَأَنَّ دُمُوعِي في الدُّجُنَّةِ أَبْحُرٌ

شَقَقْنَ خُدُودِيَ، ثُمَّ صِرْنَ أُجَيْجَا

فَيَا لَيْلُ، قُلْ لِي: هَلْ لِفَجْرِكَ عَوْدَةٌ؟

فَقَدْ كَادَ صَبْرِي فِي لَظَاكَ يُزَلَّجَا

سَأَفْخَرُ أَنِّي في هَواكِ مُعَذَّبٌ

وَأَنَّ فُؤادِي في وِدادِكِ أُدْمِجَا

فَمَا الحُبُّ إلا لِلأَبِيِّ مَكَانَةٌ

إذا ذَلَّ في شَرْعِ الغَرامِ، تَوَهَّجَا

تَعَالَيْتُ عَنْ عُذَّالِ قَلْبِي بِلَذَّةٍ

تَرَى الشَّوْكَ في دَرْبِ الحَبِيبِ بَنَفْسَجَا

وَإِنِّي لَأَرْجُو الوَصْلَ بَعْدَ قَطِيعَةٍ

كَمَا يَرْجُو العَانِي الخَلاصَ لِيَخْرُجَا

سَيَأْتِي زَمَانٌ يَضْحَكُ الدَّهْرُ لِي بِهِ

وَيَغْدُو لَظَى هَذَا الفِراقِ مُثَلَّجَا

سَأَصْبِرُ حَتَّى يَعْلَمَ الصَّبْرُ أَنَّنِي

بَنَيْتُ مِنَ الأشْواقِ صَرْحاً دُبِّجَا

سَلامٌ عَلى الحُبِّ الَّذي صَاغَ مُهْجَتِي

وَفَجَّرَ نَبْعَ الرُّوحِ حَتَّى تَمَزَّجَا