يا زهرةً كنت بين الروضِ ضاحكةً
وقتَ الربيعِ ملأتِ الكونَ بالعَطِرِ
إنْ هبَّ ريحُ الصَّبا حمّلته عَرْفًا
لمدنفٍ يا لَه ما نامَ في السَّحر
كم من فَراشٍ جميلٍ حام في عُجُبٍ
يزهو بحسنك تيّاهًا على البشر
وما الرُّضاب الذي يشفي العليل سوى
مُجاجِ نحلٍ حواه النحلُ من زَهر
جارَ الشتاء على الأتواج فانتثرتْ
وكنّ بالأمسِ تغري كلَّ ذي بصر
يا نضرةَ الورقِ الملفوفِ منتظمًا
كالسّندس الغضِّ ملفوفًا على الخصر
مشى الذبول بها فاصفرّ ناضرها
وحالَ منظرُها والموتُ في الأثر
كم من أديبٍ أريبٍ هاجهُ طربٌ
من عبْقِ ريحكِ في الآصال والبكر
وشاعرٍ لبقٍ أشجيته فشَدا
مثل العنادِلِ إذ غنتْ على الشجر
أنفاسُ ريَّاك ذكرى قُبلةٍ سبقتْ
رَدَّتْ ليَ الروحَ بعد الصدِّ والهجر
ذكّرتني نَفَسَ المحبوب فانهمرت
مني الدموعُ ودمعُ الحب كالنَّهر
للحبِّ كنتِ صلاةً بل وواسطةً
وخيرَ ما يهديَ المحبوب من دُرر
في الحقلِ كنت لنا تزهين في ملأٍ
مثلَ الوسام إذا ما حَلَّ بالصَّدر
إكليلَ عزٍّ على هامِ الرجالِ إذا
واتاهمُ الحظ والدنيا لمنتصر
وفوقَ أجداثِهم طيبٌ ومفخرةٌ
يخلّدُ القوم بالآثارِ والذِّكَر
قد كنتِ طيبًا وريّا الكون أجمعِهِ
ليت الربيعَ لنا قد دام في العُمُر
ذويتِ من غُصنك الميَّادِ وا أسفي
آهًا عليك على ذا المنظر النَّضِر
ليَرْثِكِ الطيرُ كم غنّى على قُضُبٍ
في معبدِ الليلِ والأسحارِ والفجر
ويحزنُ النحلُ لما جفَّ موردُهُ
فيلزم البيتَ إذ لا حظَّ في القشر
عمرٌ قصيرٌ أخي عمرُ الزهور وما
في الكون يبقى سوى المولى على الدَّهر