أَفِقْ سَكَراتُ الشوقِ طالَ انْطِباقُها
وذِكْرُ ثُرَيَّا صَبْحُها واغْتِباقُها
مَدَدتَّ حِبالًا أُوْثِقَتْ، غيرَ أنها
قَصُرْنَ، فَلَمْ يَبْلُغْ ثُرَيَّا وِثاقُها
تَجَلَّى على ليلٍ مِّنَ الوجدِ بَدْرُها
فما رُمْتَهُ حتى غَشَاهُ مُحاقُها
أَجادَتْ جِناسَ الشوقِ بينكما النَّوَى
ولكنَّهُ قد ساءَ فيكم طِباقُها
تَروحُ وتَغدو بينَ جنبيكَ حُرْقَةٌ
ولولا ثِيابُ الصبرِ بانَ احْتِراقُها
لِقلبِكَ مِنها مَحْضُها وصَريحُها
وللناسِ منها مَزْجُها ومِذاقُها
أطَقْتَ لها صبرًا، وما الصبرُ هَيِّنٌ
ولولا عزاءُ الشِّعرِ عزَّ مُطَاقُها
أعانَكَ في حَمْلِ الهوى شِعْرُ شاعرٍ
عليهِ ثيابُ الشِّعرِ شُدَّ نِطاقُها
بصيرٌ بِنَسْجِ المحكَماتِ، وآخِذٌ
بأعناقِ قَوْلٍ لا يُرامُ عِناقُها
غَدَتْ منهُ عينُ الشِّعْرِ جَذْلَى صحيحةً
وقد عُوِّرَتْ مِن مُّدَّعِيهِ حِداقُها
بَناهُ بِناءًا لو تَنَسَّبَ لَانْتَمَى
إلى قُبَّةٍ يحوي زيادًا رِواقُها
سَبُوقٌ إلى صَفْوِ المَناهِلِ شِعْرُهُ
وليس لِمَن يَّقْفُوهُ إلا زُعاقُها
قَريحتُهُ قَيْدُ الأوابدِ إنْ جَرَتْ
قريبٌ تَرَائِيها، بعيدٌ لَحَاقُها
تَلِينُ مَجَانِيها، وتَقْسُو غِراسُها
ويَسْتَعْبِدُ الألبابَ طُرًّا إباقُها
يُباهي بها رَاوٍ، ويَطْرَبُ سامعٌ
ويَصْحَبُها سَارٍ، وتَلْهُو رِفاقُها
وما احْتَكَمَتْ إلا إليهِ عُيُونُها
وما كان إلا مِن يدَيْهِ انْدِفَاقُها
أَيَحْكُمُ فيها غَيْرُهُ وزَمَانُهُ
بِعَيْنَيْهِ هُجْنُ العاديات عِتاقُها!
وسِيَّانِ ما أَرْضَتْ ثُرَيَّا، وعالِمًا
لَدَيْهِ كَسَادٌ نَالَها ونَفَاقُها
فما الشِّعْرُ لولا عالِمٌ يَنْتَشي بهِ؟
ولولا بَنَاتُ الصدرِ فيهِ انْعتاقُها؟
فلا قلتُ إن لَّمْ تَشْفِ صدرًا، ولم تَمِل
برأسٍ، ولم يأخُذْ حسودًا خِناقُها
ولولا ثُرَيَّا ما سَرَيْتُ مُغَنِّيًا
بِشِعْرٍ إذا غَنَّتْهُ حَنَّتْ نِياقُها
ولم تَتَنَزَّلْ آيةُ الشعرِ قبلَها
علَيَّ، ولم يَحْمِلْنِ إلا بُراقُها
جَعَلْتُ لها مِن مَّوْضِعِ النفسِ مَنزلًا
لدى حيثُ يَخْفَى صِدْقُها ونِفاقُها
وكَنَّيْتُ في شِعْري بِأُخْرى، فَصَرَّحَتْ
خلائقُ لا يُعْزَى لِأُخرى اعْتِناقُها
تَغيبُ بِصَدري، ثم تُشْرِقُ في يَدِي
ففي كلِّ حرفٍ وَسْمُها وسِياقُها
وهيهاتَ أَن يَّحْوِي جلالةَ حُبِّها
فؤادي ولا يَنْسَابُ منهُ ائْتِلاقُها
نظرْتُ فما أَلْفَيْتُ غيرَ قصائدي
أحَقَّ بأنْ تَحكي هوانا رِقاقُها
بِنَفْسي التي الأقدارُ بيني وبينها
وعِفَّةُ نفسي، والنَّوَى، وخَلاقُها
فلا هيَ تَسْقِيني، ولا أنا واردٌ
لنا ذِمَّةٌ حاطَتْ كِلَيْنا رِبَاقُها
بِنَفْسي التي ما مَسَّني الوجدُ قبلَها
ولا المُوجِعَانِ: نَأْيُها وفِراقُها
ولا غَلَبَتْ عَيني سوابقُ عَبْرَةٍ
ولا المُسْهِرانِ: ذِكْرُها واشْتِياقُها
ولا طالَ ليلٌ كان يَقْصُر بِالمُنَى
ولا قَصُرَتْ عَنهُنَّ ساقي وساقُها
ولا أَنكَرَتْ نَفسي خلائقَ لم تَكُنْ
لِمِثْلي، وإن لَّمْ يَنْتَقِصْني اخْتِلاقُها
ولا زُوحِمَتْ في مَطْلَبِ المجدِ هِمَّتي
بِهَمٍّ، وإنْ كانتْ عَزيزًا لَحَاقُها
فكنتُ مَحَضْتُ النفْسَ لِلمجْدِ مُخْلَصًا
فلمَّا مَذَقْتُ الحُبَّ طابَ امْتِذَاقُها
ولمَّا فَلَقْتُ النفسَ نفسَيْنِ، فِلْقَةً
مُعَدَّلَةً، أَجْدَى عليها انْفِلاقُها
فَلِلْمَجْدِ نَفْسٌ لا تُراضُ قُرُومُها
ولِلْحُبِّ نَفْسٌ لا تُذَادُ حِقَاقُها
فَأُصْبِحُ قد أَغْضَيْتُ عن بعضِ صَبْوَتي
وأُمْسي وكُلِّي صَبْوَةٌ جادَ ماقُها
فلا المجدُ إنْ أَصْبَحْتُ فيهِ مُعِيقُها
ولا هوَ إنْ أَمْسَيْتُ فيها مُعَاقُها
لقد كانتا رَتْقًا، فَفَتَّقَها الهوى
وكمْ أَعْجَزَ الأَرْزاءَ قبلُ انْفِتاقُها!
خَلَا أنَّ نَفْسي عظَّمَ اللهُ هَمَّها
فليسَ بِغَيرِ المُعْظِماتِ اعْتِلاقُها
فإنْ تَعْتَلِقْ مجدًا فذاكَ جِناسُها
وإنْ تَعْتَلِقْ حُبًّا فذاكَ طِباقُها
وقدْ نِلْتُ مِن أَحْداقِ كُلِّ عَظِيمَةٍ
وما نَالَني مِنهُّنَ إلا حِدَاقُها