هلَّتْ على الشارع مثلَ الشذا
تفتّحت عنه زهور الخُزامْ
كباقةٍ من نرجسٍ، يانعٍ
فتَّح منها الفجرُ قلبَ الكمام
حذاؤها الأبيض، قيثارةٌ
تعزف في الشارع لحنَ السَّلام
وشعرُها منفلتٌ حائرٌ
بين صِبا البنت، وبين الغلام
ومئزرٌ مراهقٌ ماجنٌ
فوضاهُ بعضٌ من خِصالِ النظام
مفكّكٌ، مستهترٌ، سادرٌ
جاد بما يملك طبْعُ الكرام
الزنبقُ اليانعُ من روضِهِ
والثلج من جنَّاتِه، والرُّخام
الشارعُ الثرثارُ جفَّ الصدى
في حلقِهِ، ماتتْ صنوفُ الكلام
أخرسَهُ الحسنُ فمِن ذاهلٍ
محيَّرِ الطرف، ومِن مستهام
وكيف لا يعشو، وقد أقبلتْ
من عالم خلفَ حدود الظلام؟
حوريَّةٌ قِطْفُ كرومِ الهوى
والحسنِ، سرُّ الكأسِ، سحْرُ المُدام
فاضت على النَّحر ومن حولهِ
فوّارةٌ جداولٌ من رخام
يُخْطئها اللمسُ كأنّ الذي
كوَّنها كوَّنها من غمام
تمشي فتنهلُّ على دربها
قوافلُ الطيب، ويَعْرى الغرام
وتَنْذَري في الدرب آهاتُه
من وجعٍ، من حُرقةٍ، من سَقام
سارتْ، وسارتْ خلفها أعينٌ
جوعُ الصحارى، وقلوبٌ حُطام
حتى إذا خبَّأها المنحنى
وغابَ في اللفتة غصنُ السلام
عادت إلى الشارعِ ضوضاؤهُ
واستيقظتْ بعدَ الذهولِ النِّيام