تخطَّ إلى المحتوى

قرأنا كتابا في ربيع المواضع

غير معروف

٥١ بيت

المتفرقات

قرأنا كتاباً في ربيعِ المواضِعِ

بَكَيْنا ووَلّى ليلُنا بالمدامعِ

وقفتُ على التسعينَ قبلَ وقوفِها

بخَمْسٍ فجاءتني بأعشارِ ضائعِ

تذكّرتُ أياماً خلَتْ يا لِبُعْدِها

بعبرةِ مفجوعٍ وأنّاتِ جازِعِ

وكُنّا صِغاراً في(الحضارةِ)لا نرى

مِن الدّهرِ إلاّ ظامئاً قربَ جائعِ

وكُنّا نَرى الأيامَ أغنيةَ الصِّبا

وكُنّا نرى الأحلامَ في لَحْنِ ساجعِ

صِغاراً ولا ندري متى وُضِعَتْ بِنا

قساوةُ مغلوبٍ وأحقادُ خانِعِ

تَرانا وقد عِشْنا السِّنِينَ كأنّنا

نعيشُ لكي نَحْوي فنونَ المَخادعِ

مضى العمرُ في العشرينَ قبلَ مُضِيِّها

سلاماً على عُمْرٍ مضى غيرِ راجعِ

وها نحنُ هذا اليومَ يا بنتَ يومِنا

نُقاسي وفينا غصّةٌ للقوارعِ

تُقابِلُنا والوَجْدُ مِلءُ عيونِها

وتمنعُنا والقلبُ غيرُ مُمانِعِ

وعاشِقةٍ لو زُرْتُها في دِيارِها

رأيتُ بعيْنيها سقوطَ التواضعِ

تكَبَّرَتِ الحمقاءُ وهي عزيزةٌ

فما ترَكتْ للزَّهْرِ طيبَ المَواضِعِ

كذاكَ يرى المعتوهُ كلَّ رذيلةٍ

جميلاً وهلْ مِنْ عاقِلٍ ذاكَ صانِعِ؟

وأَودَعْتني يا ربِّ عندَ قبيلةٍ

إذا أنْصَفتْ قامَتْ برَجْمِ الودائعِ

سُهادي ولا عينٌ معي تَهْجُرُ الكَرى

أُنادي وأصدائي بكلِّ المَسامِعِ

أُمَنِّيكَ يا قلبي بيومٍ كيومِهِ

ومصرَعِهِ إذ كانَ أزكى المَصارِعِ

يبيعونَ أعماراً بدُنيا زعيمِهِمْ

وإني لغيرِ اللهِ لستُ ببائعِ

قرأتُ كِتاباً منذُ عَهْدٍ كَتَبْتُهُ

فعادَ بنفسي للسنينَ الرّوائعِ

وهيّجَ أوجاعي وأشجانَ راقدٍ

تُسَلّي المنايا قلبَهُ بالمباضِعِ

أُطارِدُ ظِلّاً في الضحى وهْوَ أسودٌ

وأهرُبُ مِنْ نَجْمٍ على الليلِ لامِعِ

تجاوزتُ أحيانَ الصِّبا وذكرتُها

وسارعتُ للأولى كأيِّ مُسارعِ

وعُدْتُ إلى الأخرى على أَنَّ يومَها

أكيدٌ فهلْ مِنْ قائلٍ غيرُ واقعِ؟

يُواري أمانينا العَفا وهو أصلُها

فليتَ يُواري طائِفاً مِنْ مَواجِعي

ألا يا طيورَ الرّوضِ هل عادَ طائرٌ

إلَيْكُنَّ مِن وادٍ كثيفِ المَزارِعِ؟

أُغنِّي على تلكَ التِّلالِ ولا أرى

سوى غائبٍ يرتادُ بعْضَ المطالِعِ

إلى مَنْ تحَلّى بالسَّناءِ سناؤُها

ومَنْ سَتَرَتْ بدراً بأسودَ سافِعِ

ومَنْ أرغَمَتْني أنْ أكونَ مُتَيَّماً

ومَنْ مثَّلَتْ بي بالعيونِ اللوامِعِ

وقد أزهرَ الرُّمّانُ في وجَناتِها

ويشرَبُ مِنْ ثَغْرٍ فُراتِ المنابِعِ

بها لا بأنوارِ الرّبيعِ قلوبُنا

مُعَلّقةٌ لا بالنجومِ السواطِعِ

على أنني لم أدرِ كيفَ أزورُها

وما العذرُ لو قالتْ هَزِئْتَ بواقعي

ألا ليتَ ما بينَ الفؤادِ وبينَها

رسولاً يُريها جارفاتِ الأضالِعِ

أنامُ على جُرحٍ وأصحو بِغيرِهِ

وما زلتُ مفجوعاً ولمْ يَدْرِ فاجِعي

عشِقناكِ يا بنتَ العراقِ وقد جرى

إليكِ الهوى منّا بمجرى المَدامِعِ

وقد دارتِ الأيامُ حولَ مدارِنا

إلى أنْ مدَدْناها بأحلى المقاطعِ

مضى بالأسى الماضي وأنتِ حليفَةٌ

تَسوقُ إلى الماضي بنودَ المُضارِعِ

وترمي بنا مثلَ الهشيمِ ولا ترى

لنا صنعةً أُخْرى بِذِمَّةِ صانِعِ

وجوهٌ يُواريها الترابُ مُضيئةٌ

وأخرى تُوارى في السُّجونِ اللواذِعِ

أهذي هي الدنيا ونحنُ لأجلِها

قتلْنا نفوساً زاهِياتِ الطبائعِ

كثيرٌ على نفسي بأنْ تقطعَ المَدى

وتأتي ولم تعْبَأْ ببيدٍ شواسعِ

بنفسي التي لم تسمعِ الناسَ ساعةً

ولم تكترثْ يوماً بتلكَ الشَّرائعِ

وما من طريقٍ لي إليكِ يقودُني

لأهرُبَ من همٍّ عن النومِ مانعي

أُسائلُ كلَّ الناسِ عن خطواتِها

وأسألُ آثارَ الخُطى في الشوارعِ

تمرُّ بنا الأيامُ والبعدُ بينَنا

ولا بيننا منهنّ يومٌ بجامعِ

ونسْري وقتلانا السّنونَ وجارُنا

يرى أننا نسري مسارَ الطلائعِ

يرى أننا لا نعرفُ الشَّوقَ مثلَما

يُدَنِّسُهُ في عابثاتِ الأصابعِ

ولما تبحّرْنا بكلِّ بعيدةٍ

خرَجْنا على أيامِنا بالتَّواضُعِ

وكُلٌّ على التعجيلِ تمشي هُمومِنا

ولا تعرفُ الإبطاءَ دونَ تتابُعِ

مرَرْتُ عليها في المساءِ وقد رقى

بنا شوقُ محرومٍ وعِفَّةُ يافِعِ

تسيرُ بنا سيرَ الحتوفِ صَبابةٌ

وتمضي إلى ذاتِ اللّمى والبراقعِ

وتلكَ سجايا النفسِ لو ذكروا لها

أحاديثَ مَنْ تهوى أتتْ بالمدامعِ

وقفتُ على التسعينَ قبلَ وقوفِها

ألمْ تعلمي أني كثيرُ المواجعِ؟