لزحْلةَ الليلُ، قد جُنَّتْ لياليهَا
من يدمن الراحَ فلْيَسْكَرْ بوادِيها
كأنَّها غادةٌ أرختْ جدائلها
فجاءتِ الغيدُ تعطيها لآليها
مشلوحةٌ، عند بابِ النجم غرتُها
ونبعها شاعرٌ شاكٍ يناجيها
وعندها خلعةٌ أزرارها قصَبٌ
عند المساءِ على الوادِي تخَبِّيها
في كلِّ سطحٍ بها حانٌ ومعصرةٌ
وألف كرْمٍ هديلاتٌ دواليها
وإن مررتَ بها والنور يغمُرها
حسبتَها طفلةً والنهر يغويها
تساهر الليل في الوادي تغازله
حتى الصباح وتسقِيه ويَسقيها
وكلمَا تُغمضُ الأنسامُ مقلتَها
تجيئها نسمةٌ نشوى تُصحّيها
تزهو شبابيكُها بالورد ضاحكةً
كأنها أدهرٌ متروكةٌ فيها
مثل الخراف مبانيها مشردةٌ
هب النسيمُ إلى الوادي يناديها
ناطورها الليلُ، والشلال حارسها
ودربُها القاعُ، والكرَّامُ راعيها
في ضفةِ الماء كم ضاعتْ أساورها
ثم انثنت فبدا للنور خافيها
إذا رأتْهَا عيونُ النورِ عاريةً
تأتي السماءُ بمنديلٍ تغطيها
قمْنَا بهَا مرةً في القاع نسألُهَا
من ذا يجرِّح خَدَّيها ويدميها
فمَسَّحَتْ ثغرَها بالنار قائلةً
للحب أرضٌ شهيٌّ كلُّ ما فيها
أنفقتُ عمري على كاس معتقةٍ
أحسو طلاها وللعشاق أعطيها
لزحلةَ الليلُ والعشاقُ تذكرهُ
من يعبد السحرَ فليقصد ملاهيها
تعرَّتِ الحَوْرُ فيها من قلائدها
فعربدَ الماءُ في المجرَى يناغيها
العبقريةُ وقعٌ في سرائرها
والشاعريةُ معنًى من معانيها
وذائب التبْرِ جارٍ في مقاطفها
والأرجوانُ مذابٌ في حواشيها
كأن بغدادَ فيهَا ألفُ جاريةٍ
راحتْ على سكرها تعري جواريها
معابدُ الشعرِ قامت في مفارقها
تطل ساحرةً والشمسُ تبنيها