تخطَّ إلى المحتوى

سفر يلح وغربة تتغابى

غير معروف

٤١ بيت

المتفرقات

سَفَرٌ يُلِحُّ.. وغُربةٌ تَتَغابَى

وغَدٌ يريد مِن العَشِيِّ جَوابا

سَفَرٌ يُلِحُّ.. وما لديكَ حَقِيبةٌ

تَسَعُ البِلادَ، أَحِبَّةً وترابا

ويَدٌ تَصِيحُ: (دَقِيقتانِ ويَنتهي

زمنُ الوُقوفِ) وتُغلِقُ الأَبوابا

وتَغِيبُ آلِهَةُ الدُّخَانِ، كأنها

زَبَدٌ تَجَمَّعَ كي يَذُوبَ.. وذَابا

وتَعودُ أَنتَ إلى انتِظارِكَ، حاملًا

قَلَقَ اغتِرابكَ، جَيئةً وذَهابا

وتكادُ تَخنقكَ ابتِسامةُ ساخرٍ

أَمّا العِتابُ فقد سَئِمتَ عِتابا

لِمَ لا يَعِنُّ لكَ الرَّحِيلُ وقد غَدَا

كُلُّ الذين عَرَفتَهُم أَغرابا!

وَطَنُ ابنِ آدَمَ في حَقِيبةِ ظَهرِهِ

لا حَيثُ عاشَ مُغرَّبًا أَحقابا

أَتُرِيدُ مِن وَطَنٍ يُكابِدُ ضِيقَهُ

فَرَجًا لِضِيقِكَ أَنتَ، أَو تَرحابا؟!

هو مَوطِنٌ لولا الجِبالُ يُعِقنَهُ

لَرَمَى البيوتَ، وزَاحَمَ الرُّكّابا

وَطَنٌ يُريدُكَ أَن تَموتَ لِأَجلِهِ

ويُريدُ منكَ على الحَنُوطِ حِسابا!

وتَخافُ كِلتا حالَتَيهِ، فتارةً

مَلِكًا يُطِلُّ.. وتارةً نَصَّابا

يَضَعُ اللُّصُوصَ على خَزائنِ مُلكِهِ

ويُحارِبُ الأُستاذَ والطُلّابا

ويُحِبُّ مِن طُرُقِ المَحَبَّةِ صِيتَها

ومِن الحقائقِ نِصفَها الكَذّابا

ويَذُوبُ لِلنُّطَفِ الدَّخِيلةِ رِقّةً

وعلى بَنِيهِ يُمارِسُ الإرهابا

وتَراهُ وهو على جَلالةِ قَدرِهِ

يَتسوَّلُ الخُدَّامَ والحُجَّابا

وتَراهُ -إلَّا عن ثَراهُ- مُدافِعًا

وتَراكَ -إلّا في هَواهُ- مُثابا

وَطَنٌ كأنَّ اللهَ قال لِأَهلِهِ

لا تَسكُنُوهُ.. فأَكثَرُوا الإِنجابا

وكأنّ حَقَّ العَيشِ فيه جِنايةٌ

لا تَستَحِقُّ سِوى الشتاتِ عِقابا

فإلى متى سَتَظَلُّ تَطرقُ بابَهُ

وتُراوِدُ الشُّرُفاتِ والأَعتابا!

وسِواكَ إِن لَمَحَ الخَطِيئةَ ساجِدًا

قَطَعَ الصَّلاةَ.. وأَحرَقَ المِحرابا

لا تَنتظِر فَرَجًا يَجيءُ وأنتَ في

وَطنٍ يُفرِّخُ ساسةً و"غَلابَى"

المُستَحيلُ أَقَلُّ منه صعوبةً

والموتُ أرحَمُ غربةً وعَذابا

طَرَحَ الرفاقُ جذورَهُم وتَغرّبوا

فعَلامَ أنتَ حَمَلتَ هذا الغابا!

لِأَسَاكَ أُبَّهَةُ الغَريبِ، وأنتَ لا

سَفرًا بَلَغتَ، ولا استطعتَ إيابا

شجنًا بلا سَفَرٍ خُلِقتَ، فأَين يا

شَجنًا بلا سَفَرٍ تُريد ذهابا؟!

وحَمَامةً خُلِقَ الحَنِينُ، وليس في

وُسعِ الحمامةِ أن تَكونَ غُرابا

ما دام رزقَكَ في السماءِ فحَيثُما

وَلَّيتَ وَجهَكَ.. زادَكَ استِغرابا

غِب ما استطعتَ، فأنتَ لستَ مسافرًا

إلَّا إليكَ.. وغَيِّرِ الأثوابا

يَمنيّةُ اليَمنيِّ تُثقِلُ ظَهرَهُ

مهما مِن اليمنِ استراحَ وغابا

أفتَستَطيعُ وأَنتَ لستَ بصَخرةٍ

أن لا تكونَ -إذا أُصِيبَ- مُصابا!

أفتَستَطيعُ بغير عَينِكَ أن تَرى

شَفقًا يَغيبُ، ومنظرًا خلَّابا!

أفتَستَطيعُ إذا فَقَدتَ حَبيبةً

أن لا تَصِيرَ لِطَيفِها اصطِرلابا!

هي حِكمةُ الزمنِ الرَّدِيءِ، فَعادِها

ما دمتَ لستَ لِنارِها حَطّابا

وأَعِن يَدَيكَ على الصُّعودِ، فإنَّ مَن

خَشِيَ السقوطَ تَجَنَّبَ الأسبابا

وأَطِل شُرودَكَ، فالحَياةُ قصيرةٌ

لا يَستحقُّ جِدالُها الإسهابا

وزِدِ ارتِيابَكَ، فاليَقينُ خُرافةٌ

والمَرءُ إِن بَلَغَ اليَقينَ ارتابا

شرفٌ لِمثلِكَ أن يَموتَ مكافحًا

مِن أن يَعيشَ على الجراحِ ذبابا

وإذا شبابُك ضاع خلفَ قصيدةٍ

خَذَلَتكَ، فابكِ قصيدةً وشبابا

وكفى بحُزنِكَ أن يَزيدَ قصيدةً

وكفى القصائدَ أن تَصيرَ كِتابا

يَتغافَلُ الأَحبابُ عن أَوجاعِنا

وغَدًا نَموتُ لِنُوجِعَ الأحبابا