شَخَصَتْ إِليكَ تَوَسَّلُ الأَنظارُ
يا رَبُّ غَزَّةُ جَنْدَلٌ وَحِصارُ
يا ربُّ غَزَّةُ والدِّيارُ كَأَنَّها
قَلبٌ تَمَرَّغَ بالدُّموعِ يُثارُ
جَمَعوا لَها مِن كُلِّ صَوبٍ مُجرِماً
فَمَضى الرَّبيعُ، وَأُطفِئَتْ أَنوارُ
والكونُ أَصبَحَ ناصِلاً مِنْ لَونِهِ
يُردِي الأَبِيَّ وَيَظهَرُ الخَوّارُ
وَتَجَمَّعَ الأَوباشُ حولَ دِيارِنا
فَبَدا الطَّريقُ تَحُفُّهُ الأوزارُ
تأتي الأَوابِدُ كُلَّما أَغرَيْتَها
فَتَرى البُغاثَ وَتَنتَحي الأَقمارُ
فانطق بما تَروي البنادق إنَّها
بابُ الحَقيقةِ حَيثُما تَحتارُ
والنارُ تَقدحُ جِيفَةً مَسمولَةً
مِن جَفْنِ مَسْخٍ حَولَهُ الأَسوارُ
والنارُ تُحرقُ أَوجُهاً مَشمولَةً
بالخِزيِ تَنْبُتُ حَولَها الأقذارُ
والنارُ تَصفَعُ ألسناً هَدّارَةً
بالشَّينِ يَعزِفُ لَحنَها الأَغيارُ
والنارُ تَفْرِزُ مالكاً مِن زائرٍ
وَسِخٍ تَعاقَبَ جَمْعَهُ الأشرارُ
والنارُ مِنْ ياسينَ يَسمَعُها النَّدى
وَعَلى الصدى يَتَفتَّحُ النُّوارُ
لِتُغادِرَ الغِربانُ دَوحَ فَضائنا
وَتُضيءَ بالشُّهداءِ هذي الدّارُ
وَلَسوفَ نَغرفُ فَجرنا مِنْ لَيلِكُم
مَهما أَقمتمْ أيُّها الفُجارُ
وَلَسوفَ نَمسَحُ خَطوَكُمْ عَنْ أَرضِنا
حتى تَعودَ لِعِشْقِها الأَشجارُ
والنارُ حَرفُكَ إذ تُحدِّثُ مُجْرِماً
نَزَقٌ يُمَزِّقُ شَأوَهُ وَغُبارُ
والنارُ دَربُكَ والمَرافئ كُلها
نامَتْ، فَأَشعَلَ غَيظَها الأبرارُ
جاءَ المُدَنَّسُ يَبتَغي أَوطاننا
فَرَفَعتَ سَيفَكَ، حَدُّهُ بَتّارُ
لَمْ تَكتَرِثْ بِحَديدِهِمْ أو نارِهِمْ
فالحَقُّ أَبلجُ، والخُنوعُ دِثارُ
هذا الترابُ مُنافحٌ عنْ أهلِهِ
مَهما تَعاظَمَ صَوتُهُ الهَدّارُ
لَهفي لِغَزَّةَ والأَحِبَّةُ كُلهم
لَبِسوا السَّوادَ وَوَدَّعوا إذ ساروا
لهفي لِغَزَّةَ والدُّروبُ تَناثَرَتْ
وَرِجالُها فوقَ الذُّرى ثُوّارُ
إنْ رُمْتَ مَجداً فاقتبِسْ مِنْ سِفرِهِمْ
أَو فاحتَطِبْ مِمّا رَأَى الأَغْرارُ
تِلكَ المَسالِكُ رُتبةٌ وَمَعارِجٌ
تَعلو وَتدنو بَينَها الأطوارُ
أَرأَيتَ وَجهكَ وَالعُلوجُ تَوافَدوا
وَعَلتْكَ مِنهُمْ ذِلَّةٌ وَصَغارُ
ستُراقِبُ الأَيام حتّى تَنتَهي
صِفراً، وَيَصنَعَ دَهرَكَ الأَحرارُ