جاءتْ تُجاوِزُ سُدفةَ الليلِ مُسْتَتِرَةً
كأنَّ خُطْوَتَها ضياءٌ مُنْبَعِثُ
فقلتُ: يا طارقَةَ السِّرِّ في سَكَني
أما يَضيقُ بكِ المَدى أو يَلْتَبِسُ؟
فأجابتِ الرِّيحُ عنها وهي مُنْحَنِيَةٌ
والعينُ تَسبقُها دموعٌ تَحْتَبِسُ
مَن رامَ قلبَ الهوى في ليلِه جَلَدًا
مضى إليهِ، وفي الأضلاعِ هَجَسُ
فقلتُ: ما لي أرى الأقوالَ مُرتَجَلًا
كأنَّها من سطورِ الغيبِ تَنْعَكِسُ؟
فقالتِ: العِشقُ لا يُملي قواعِدَهُ
إلّا على مَن بهِ الأشواقُ تَلْتَبِسُ
إني أراكِ وإن طالَ الحِجابُ بنا
كأنَّ بيني وبينَ الروحِ مُقْتَبَسُ
إنَّ المَوَدّةَ في صَدري مُقيمَةٌ
لا يَستَحيلُ لها في الدهرِ مُنْعَكِسُ
فقمتُ أستبقُ ظلَّ الشوقِ مُندَفِعًا
كأنَّني قبلَها في الوهمِ مُنْغَمِسُ
وحينَ أرخَتْ لِثامًا كان يَحجُبُها
تجلّى البدرُ في وجهٍ بهِ اقتَبَسُ
فأدنيتُها، وتلاقى القلبُ مُنْهَزِمًا
والصمتُ بينَهما قد صارَ يَنْفَسِسُ
كأنَّ ثغرَها سؤالٌ لا جوابَ لهُ
وكأنَّ ثغري لهُ في الردِّ مُلْتَبِسُ
فقلتُ: لا تَجعلي الأيّامَ مُنْصَرِفًا
بينَ القلوبِ، فإني لستُ أَنْفَصِمُ
فقالتِ: اجعلْ حديثَ الودِّ مُحْتَشِمًا
فإنَّ نارَ الهوى باللينِ تَحْتَرِسُ