بعيدةٌ، بَعْدُ، مواعيدُ الهوى
بعيدةٌ، بعدُ، مرافيءُ الحنينْ
من أَغزلُ الرؤيا على مِثالها
وأَذرعُ الأُفْقَ... وأَطوي السنين...
بعيدةٌ...
بُعْدَ نجومِ المنافي
وَعَدَّ رملِ السوافي
وَمَدَّ نايِ الأسى، وقوافي الأنينْ
وإِن جسمي لَمُضنىً... وإِن قلبي حزين...
بعيدةٌ، بَعْدُ، مغانيها... أغانيها...
وقَطْرُ الكرومْ
مَن واعدتني الماءَ... والصحراءَ...
والحُلْمَ... وعِلْمَ النجوم...
وهي التي مَثَّلها الأُفْقُ هنا
ويُومِيءُ البرقُ إِليَّ أنها... هناك...
تقومَ بَوَّاباتُها السبعُ على جداول السنا
وتخلدُ الشمسُ على قُبابِها... وتحلُمُ الأَفلاكْ...
فَمَن رسولي عندها الليلةَ... أَني أنا...
لعلَّ لي وعداً وعينيها
ومنديلاً... وقنديلاً على شُبَّاكْ...
وَمَن رسولي أَنني عابرٌ سَمْتَها
وأن قلبي نازلٌ بيتَها لا يَرِيمْ
خُذي لها جرحي... لَهاةَ الصدى...
وخُذ لها بَوْحي... حفيفَ النسيمْ...
جَوادُ مَنْ، ذاك الذي قامَ من الموتِ
الذي شَقَّ جدارَ الصوتِ... والصمتِ...
الذي عادَ... بلا فارسِهِ...
يجيءُ أَعلى قِمَّةٍ
يصهلُ نارَ حزنِهِ على البراري؟!...
كان ورائي... دَمُهُم... في ديرِ ياسينَ...
لَظَى عُلَّيقَةٍ
تشتعلُ الشمسُ على غصونها
تغزل من أَسى جفونها... عَباءَةَ الشَفَقْ
لَيلةَ أَسلمتُ عباءتي الرياحَ
واتَّشحتُ دَمَهُم أُطاردُ الصباحَ
واتَّخذتُ صاحبيَّ... الحُلْمَ... والأرقْ
خَلَّيتُ سيفي... صَدِئاً... مكانَهُ
مُلقىً على هيكلها العظميِّ
شارةَ الرجوعِ
وانتزعتُ من أَسِنَّةِ الضلوعِ
رأسَ قَلَمٍ
كتبتُ عهدَها بِهِ... سأَنتقمْ...
وَظَلَّ خلفي... دَمُهُم... يصيحُ بي
أَن أَسبقَ الريحَ إِلى خيامِ مازنٍ
وأَن أَدقَّ بابَ المعتصمْ!!...
جَوادُ مَنْ، ذاك الذي يَتَّشِحُ النارَ
على باديةِ الشامِ...
الذي عاد إِلى فارسِهِ
يَدُقُّ ليلَ القصرِ... والقيصرِ...
والحريمِ... والجواري؟!...
كان حَزِيرانُ بحيرةً من اللَّظى
تَغرَقُ في سحابةٍ من الدخانْ
صَباحَ أَنْ وَرَدْتُهُ على سَنامِ ناقةٍ
لم أَدرِ أَنه... الطُّوفانْ...
أنا الذي نَحَتُّ وجهَ البَعْلِ... من وحلٍ...
وَمَن سَوَّيتُ من قلبي له ياقوتةً حمراءَ
واصطنعتُ هيكلاً لهُ...
وقُبَّةً... وجُبَّةً... وصولجانْ...
لم أدرِ أنها حجارتي الكريمةُ التي
رَصَّعتُها على قَلانِسِ الكُهَّانْ...
نسيتُ أَنني الذي بنيتُ مَكَّةَ الخيالِ
فاعتزلتُ عن حِرائِها مغارةَ الشَيطانْ!!...
وها أَنا، فوقَ حَزِيرانَ، أَضعتُ وِجهتي
سَلَختُ في الغبار جلدَ جبهتي
أحسستُ أَنْ جُنِنْتُ تحت الشمسِ
خِلتُني أَصيرُ رُوحَ القدسِ
تارةً أَلوذُ في صومعةٍ...
وتارةً أَهيجُ في زوبعةٍ...
وها أَنا أَحثو على وجهي الترابَ
أَزرعُ الربيعَ في تَشَقُّقِ اليَبابِ
صار جَسَدي نِخالةً مَذْرُوَّةً في الشوكِ
لم يَظَلَّ غير أَن أَ لُمَّهُ... جُزَيئةً... جُزَيئةً...
فأَستمِدَّ ماءَ جدولٍ من السماءِ
أَعجنُ الضياءَ... في صَلصالةِ الإِنسانْ...
كأَنني الآن جميعُ أُمتي... أَموتْ...
لكنني أَقرأُ في الرؤيا
أَني أَنا «الخِضْرُ» الذي سأَقتُلُ الطاغوتْ
وأَنني، ثانيةً، أَحيا...
كأَنَّ سقفَ الكونِ... عَجْلُونٌ...
وَمَدَّ العينِ... بيروتٌ...
وَمُدَّتْ سُفرةُ الموتِ على الأُفْقِ
وأَولَمَتْ شُواءَها النيرانْ!!...
صَباحَها...
سَوَّيتُ من جلدةِ جبهتي... ربابةً...
وسُقتُ هَوْدجاً... وناقةً...
أُورِدُها...
لم أَدرِ أَنهُ الطوفانْ!!...
وكان أُسطولُ أَبي... من وَرَقٍ...
نَبَذْتُ كلَّ فُلْكِ البحرِ
وانتبذتُ قِمَّةَ العصيانْ!!...
لكنني ضَيَّعتُ عَلياءَ الذرى
لم أَدَّخر إِلى معارجِ السماءِ مَتْنا
وها أَنا أَصعدُ قمةً تخونني...
أَلهثُ في بلوغِها... وهي تغوصُ أَدنى...
أَهِيمُ وُسْعَ الأَرضِ في ما جَبَلٍ
يُعطي لِيَ النجوى
وجبريلاً... وتنزيلاً... وشَلاَّلَ ضِياءْ...
لكنني ضَيَّعتُ، أَعلى الطورِ، أَبراجي
وَمُذْ صَعَّرتُ أَوداجي
شربتُ الوحلَ، والزُّقُّومَ، في سِيناءْ!!...
نعم... أَنا صَعَدتُ ها هُنا...
لم أَلْقَ وجهَ اللَّهِ في المُقَطَّمِ
اجتهدتُ... فاكتشفتُ... مُومِياءْ!!...
ولم أَزل أَلهثُ في ذُرىً تغوصُ أَدنى
لم أَدَّخر، يومَ الحضيضِ، لِلسَّماءِ مَتْنا...
وكان لي، في جَبَلِ الزيتونِ، سُلَّمٌ لها
ومنزلٌ يُفضي على حديقةِ الله، وشُبَّاكانْ...
كُلِّ الذرى أَضعتُها...
أَضعتُ قمةَ الخليلِ... والجليلِ... والجولانْ!!...
ولم أَزل أَعدو وراءَ الشمسِ
يا أُوراسُ... يا أُوراسُ... كُنْ رَجْعَ الصدى
وا أَسفا... قد نَسِيَتْ قصائدي وَهرانْ!!...
فلن أَشِيدَ مَكَّةً على طُلولِ إِرَمٍ
لن يَحقِنَ الطوفانَ مَأْرِبٌ
وما لِقَاتَةٍ
أَن تُشعِلَ البرقَ على دُجى نجرانْ!!...
ركبتُ ظهرَ الجَبَلِ الأَخضرِ
خِلْتُ أَنَّ قَصْعَةً يُترِعُهَا دمي
وأَنَّ ضَرْعَ غَنَمي
يَفيضُ من حَلْقِ أَنُوشِروانْ!!...
لَحِقتُ نبعَ دجلةٍ...
صَعَّدتُ أَعلى الزابِ
عندما تَصالبتْ قُبالَتي... جُمجمةٌ... وعظمتانْ!!...
من أَنت أَيها الضليلُ؟...
تصرخُ السفوحُ... والجروحُ... والوديانْ...
أَنا صلاحُ الدينِ، دِيسَ في الخليلِ شَرَفي
ومِن ثَرى «حِطِّينَ» لَحْمُ كَتِفِي
أَلا اقشعري... ارتجفي... ذِئابَ «كردستانْ»!!...
ضَيَّعتُ علياءَ الذرى جميعَها
شَرَّقتُ... غَرَّبتُ...
اعتصمتُ أَعلى أَرزةٍ على ذُرى لبنانْ
وها أَنا مِن مَتْنِ صِنِّينَ
أَصيحُ مَدَّ الصوتِ:
يا كمالُ، يا كمالُ... يا غسَّانُ، يا غسَّانْ...
هم أوثقوا جسمي جلاميدَ الجبالِ
لم أَزل مُصفَّداً هنا
تَنْقُرُ في شَحْمةِ عَينيَّ مخالبُ العُقبانْ...
هم أَطعموا جسمي كلابَ البحرِ
والميناءَ... والسُّوَّاحَ... والقُرصانْ!!...
لأَنني... لأَننا...
بين تجاويفِ صدورِهم... بَقِيَّةُ الإِنسان!!...
لأَنني عَفْوَ أَبي
قَصَصْتُ رُؤيا يُوسُفٍ
على دجى عيونهم... وآيةَ النهارْ...
فها أَنا أصرُخُ من غَيابَةِ الجُبِّ:
متى يا سَفْحَ جِلعادٍ
تُغاديكَ قوافِلُ التجارْ؟!...
جَوادُ مَنْ، ذاك الذي أَدريهِ... لا أَدريهِ...
لا ينفكُّ يأتي الليلَ في سَرْجٍ من النارِ
كأَن نيْزَكاً يَصْهَلُ في جزيرةِ العربْ؟!...
أَدريهِ؟... لا أَدريهِ؟...
يا ليت الذي أَعنيهِ أَن يكون وَعْدُهُ اقتربْ!!...
كان حَزِيرانُ لَظَى جَهَنَّمٍ
يَحُدُّهُ أَيلولُ من هنا... ومن هنا أَ يَّارْ...
وبيننا الموتُ... وسِيناءُ...
فما أَ قَلَّ زادَ عاشقٍ، وأَبعدَ المزارْ...
فلن تَقُدَّ امرأةُ العزيزِ أَسمالي
ولن يُقَطِّعَ النساءُ أَيديهِنَّ
رُدُّوني، على وجهي، إِلى مَضارِبِ الأَنبارْ...
هناك أَدري جَبَلاً لم يأتِهِ رَحَّالةٌ قبلي
ولم تَظْعَنْ له قافلةٌ
يرتاحُ أَقصى الريحِ... والجنونِ... والأَسفارْ؟!...
إِذن... هُنا نحنُ...
وها أَنا اعتليتُ ظهركَ العَصِيَّ... يا سِنجارْ!!...
أَيا جَنِيناً أَنتَ في رَحْمِ الفُراتينِ
تُحَمُّ الآنَ في فَخْذَيهِما حُمَّى المخاضِ
وارتعاشةَ الولادهْ...
أيا انسراحَ شُرفةٍ على رِحابِ المَلَكُوتِ
فوقَ صدرِ الشامِ... والعراقِ...
أَنت الآنَ بُرْجُ بابلٍ... وقِمَّةُ الشهاده
خَلَّيتني... بالشامِ أَهلي... والهوى بغدادُ...
يا سِنجارُ... يا سِنجارْ...
وها أَنا انتصفتُ بين الرَّقَّتينِ جَسَدي
أَحِيكُ في اللُّحْمَةِ أَوصالَ السَّدَى
وأَقرأُ النجمَ على حُبِّ الضحى
وأُنشِدُ القوافلَ التائهةَ... الأَشعارْ...
يا أَنتَ... فاجعل بيننا وعداً
على أُرجوحةِ الحُلْمِ
فتلقى الدارُ... أَهلَ الدارْ...
لأنك المفتاحُ بين اثنينِ
والمزِلاجُ بين اثنينِ
والبابُ المُشَرَّعُ اليدينِ...
واستطالةُ الجدارْ!!...
كان فؤادي نَغَماً...
قِطعةَ موسيقى على قَياثِرِ المدى
وكان لي أَجنحةٌ...
وخِلْتُني أَرقصُ في حدائقِ الخيالِ أَوَدا
وكنتُ في جُنونِ قُبلةٍ
أَمتصُّ ثَغرَ دجلةٍ... أَهصُرُ عِطْفَ بَرَدى...
حين رآني اللَّهُ... خِلْتُ أَنْ رأَيتُهُ...
فكان وجهُهُ زيتونةً تحتَ أَصيلِ القدسِ
حَلَّ جِسمَها... واتَّقدا...
عينايَ تَشْخَصانِ في بَهاءِ أُرجوانِهِ
وشَفَتايَ تَلْهجانِ بالدعاءْ...
يدايَ غُصْنا أَ ثْلَةٍ... عاريتانِ...
ترجفانِ في الدجى بلا لِحاءْ
أو شُعبتا داليةٍ... ظامئتانِ...
فيهما حزنُ الخريفِ... وابتهالةُ الشتاء...
وها هُما، من تَلْعِ سِنجارَ، تُمَسِّدانِ قَمَرا
وتُذهِلانِ الجِنَّ، والنجومَ، سُوَرا
وتَدْعُوَانِ اللَّهَ... أَن يسوقَ قَدَرا...
«فما تُريدُ؟...
«ما أُريدُ، يا مولايَ:
«أَن أَشِيعَ في عُلاكَ بَدَدا
«أُريد جبريلاً... وتنزيلاً...
«وخيلاً لا تُرى... وَمَدَدا
«أُريد أن أَصوغَ أُقنُومَيْنِ
«في هَواكَ... أَحَدا...
«أُريد، يا مولايَ، بَعْدُ
«أَن أَصبَّ دجلةً... في بَرَدى!!...
رَبَّاهُ... أَين أَنتَ؟...
لِمْ صَفَقْتَ دون رِئتي نَوافذَ السماءْ؟!...
لَم أَتَلَقَّ مِن عَلٍ تَوصِيةً...
وقِيل لي... معذرةً... لم يبقَ أَنبياء؟!...
يا أَيها الحزنُ الذي يَهبِطُ بي أَدراجَ سِنجارِ
أُعطي لظاكَ القلبَ
صُغْ قلبي... على الحَدَّينِ...
وَهْجَ السيفِ في النارِ...
بعيدةٌ... حتى أَقاصي البُعدِ...
حتى الوجدِ... حتى السُّهدِ... أَحلامي وأسفاري!!...
بعيدةٌ، بَعْدُ، مواعيدُ الهوى
بعيدةٌ، بَعْدُ، مَرافيءُ الحنينْ
يا جِلَّقَ الحُلمِ... وبغدادَ السُّرَى...
وَسَمْتِ في وجهي شُرودَ العاشقينْ
أَنتِ التي مَثَّلَها الحبُّ... هنا...
ويُوميءُ الحزنُ إِليَّ أَنها... هناكْ...
فلو تَلُوحِينَ لِعَينيَّ خلالَ الضبابْ
فإِن رمزاً عنكِ يكفيني
ولو تقومينَ على الوهمِ، وَوَهْجِ السرابْ
فإِن برقاً منك يَسقيني
حَلَّفتُكِ الغُربةَ... والتَّوقَ... ونارَ العذاب
إِن تقتليني... لا تَرُدِّيني!!...
مشدودةٌ أَوتارُ قلبي الآنَ
نَوْلاً تحت حزنِ الليلِ
يغزلُ الشآمَ في العراقِ... والعراقَ في الشآمْ...
وها أنا أَحرثُ بحرَ الملحِ
من أَقصى تخومِ الليلِ... حتى الصبحِ...
أَستَجِنُّ في عُروقِهِ حدائقَ الأَحلامْ
فَلْيَنْشُرِ الربيعُ طَيْلَسانَهُ على المدى
وَلْيَكُ عُرْسُ «البعثِ»... في جنازةِ الردى!!...
وَلْتَلِدِ الحقولُ... والنساءُ... والأَثلام...
كأَنَّ سطحَ الأَرضِ في رعشةِ زلزالٍ...
وفي زوبعةٍ، يأتي أَبو ذَرٍّ على قُصورِهم
تَلْكُزُهم عَصاهُ في قُبورهم
يَهِيجُ حُمَّى القدسِ في صُدورهم
تَشرُدُ روحُهُ غَزالةَ الضحى على الصحاري...
كأَنَّ يُوحَنَّا هُنا مَرَّ إِلى بِشارةِ المَجيءِ
هاهُنا استقرَّ رأسُهُ قادُوسَ عَسَلٍ
وها هُنا استحمَّ جسمُهُ في لَبَنِ الضَّواري
كأَنَّ في النجيعِ لم تزل تَغوصُ كَرْبَلاءُ
تستضيءُ حُسْنَ وجهِ الله هامةُ الحُسينِ...
تستحيلُ شعلةً من اللُّجَيْنِ
آيةً... فَرَايةً... صارخةً حمراء!!...
جَوادُ مَنْ، ذاك الذي أَراهُ... لا أَراهُ...
يَقْرَعُ الوجودَ حافِراهُ
يَقِفُ الزمانُ لحظةً... وتُفتَحُ السماء؟!...
جَوادُ مَنْ ذاك الذي يَشُقُّ شَرْخَ البرقِ
فوق جبهةِ الظلامِ
من يَقُدُّ صَدْرَ الأُفْقِ في جَهنَّمِ القَتامِ
من يُصاهِلُ الفَلاةَ ضَبْحا...
يُشعِلُ النجومَ قَدْحا...
مَنْ عَداكَ سَرْجُهُ النَّجِيُّ...
عِطرُهُ النَبِيُّ...
يا عَلِيُّ... يا عَلِيُّ...
عاد سيفُكَ الذي يقطرُ من دمٍ... ضِياءْ!!...
أَلَم يزل يكتسحُ الأرضَ حَزِيرانٌ...
«وَتُغْزَوْنَ... ولا تَغْزُونَ...
«قد جَرَّعتموني الموتَ أَنفاساً
«وهذي «غامِدٌ» قد بَلَغَتْ خيولُها الأَنبار!!...
فما لكم تَزدرِدون في البلاطِ أَلَمي
عيونُكم تَنُوسُ في أَبخِرَةِ الأَفيونْ...
أَم تُطفئون جَذْوتي... إِذا كَسَرتم قَلمي...
أَم تَرجِمونَ فِيَّ ظِلَّ شاعرٍ مجنونْ!!
فاستمعوا... أَقولُ في وجوهكمْ...
واستمعوا... أُعِيدُ في وجوهكمْ...
وَلْتَتَلَقَّ الأَرضُ... ما تُنَزِّلُ السماءْ!!...
إِرثُ أَبي هذا...
وأَنتمُ اقتَسَمتُمُوهُ عن يدِ اللصوصِ
خُنتمُوهُ... بِعتمُوهُ الغرباءْ...
هُم رَسموا حدودَكم... هُم دَبغوا جلودَكم...
هم فَصَّلوا وجوهكم... وَعَدَّدوا الأَسماءْ...
إِرثُ أَبي هذا، ابتلعتمُوهُ في بُطُونِكمْ
وإِنني أَشُكُّ في عيونكم... أَصابعي...
وشافِعي...
أَنِّي الذي شَهِدتُ رُؤيا مَكَّةٍ
وَوَحْدِيَ الحادي لها قوافلَ الحجيجْ...
إِرثُ أَبي هذا... وقد أَوصى لِيَ
الفُسطاطَ... والبُراقَ...
والشآمَ... والعراقَ...
والحَجُونَ... والصَّفا...
ومكَّةً... وليلةً...
يسمرُ في نجومِها المحيطُ... والخليجْ!!...
كأَنَّ قلبي الآن عصفورٌ من النارِ
ثَنَى من قَفَصِ الصدرِ جناحيهِ
يَشِي إِليكِ يا قِيثارةَ الرياحِ شَجَني...
فَصُبَّ لي كأسينِ...
قد واعَدْتُها الليلةَ في «اللَّطْرُونِ»
وانظر كلَّ أَرجاءِ المدى...
هذا الجمالُ، تحت قَمَرِ المساءِ، وطني...
أُحِسِّ أَنني اختصارُ حُزنِهِ
وأَنهُ انتشارُ بَدَني...
أُولئك الصِّبيةُ... من نافذةِ القِطارِ...
أَطفالي...
وهذه السقيفةُ المُضاءُ بابُها
تحت سَعَفِ النخيلِ... سَكَني...
أُحِسُّ أَنني أَذوبُ فَرَحاً
حتى البكاءِ... يا رُبَى بلادي...
تخونُني عينايَ في لقائكم
أُحِبُّكم... أُحِبُّكم...
يَصيرُ في شَفافةِ الندى فؤادي...
فما لكم، مِنْ عَجَب، تُحَدِّقونْ؟...
أردتُ أَن أقول إِنني أُحبكم... فَعُوني...
لا تنظروا إِليَّ هكذا
لا تَدَعوا الأَطفالَ يرجموني!!...
أُحبكم...
أردتُ أَن أَقولَ إِنني...
لا تَدَعوا الأَطفالَ يرجموني!!...
أُحبكم...
أردتُ أَن أُدلِيَ بالشهادةِ... اسمعوني...
لا تأخذوني ساحةَ المدينةِ... اسمعوني...
أَكرهُكُم... لا تُطلِقُوا جُنوني!!...
أَكرهُكُم... أكرهكم... ولا أُحِبُّ أَحَدا...
حتى أَصُبَّ دجلةً... على شِفاهِ بَرَدى!!...
إِرثُ أَبي هذا...
وأَنتم اقتَسِمْتُمُوهُ دون عِلمي
وهو مُسَجَّلٌ على صحيفةِ السماءِ باسمي
هواؤُهُ... وماؤُهُ... حقولُهُ... سيولُهُ...
تَوَحَّدتْ ربوعُهُ بجِسمي...
فما لكم تَزدرِدونَ في البلاطِ أَلَمي
عيونُكم تَنُوسُ في أَبخِرَةِ الأَفيونْ
أَم تُطفئون جذوتي... إِذا كسرتم قلمي...
أَم تَرجمون فِيَّ ظِلَّ شاعرٍ مجنونْ!!...
يقولُ لي السرابُ... والعذابُ...
قد وصلتَ... قد وصلتَ... قد وصلتْ!!...
وهذه قُبابُ مَكَّةِ الرُّؤى
تَغَسَّلت إِليكَ في أَشعةِ النجومِ... حيث أَنتْ!!...
فَمَا لِسُحُبِ الدخانِ، مِن شُقوقِ الأَرضِ
تَصَّاعَدُ في سمائِها الشاحبةِ الحزينهْ؟!...
مَن أَنتِ يا أَيتها السيدةُ العذراءُ... في البستانِ...
لِمْ يُضَفِّرونَ الشوكَ إِكليلاً
وَلِمْ تسوقُني الشرطةُ في أَزِقَّةِ المدينة؟!...
كَذَّابةٌ كلُّ طيورِ البحرِ يا جزيرتي
كَذَّابةٌ بُوصَلَتي... كَذَّابةٌ هي السفينة!!...
بعيدةٌ، بَعْدُ، مواعيدُ الهوى
بعيدةٌ، بَعْدُ، مرافيءُ الحنينْ
من أَغزِلُ الرؤيا على مِثالها
وأَذرَعُ الأُفْقَ... وأَطوي السنينْ...
بعيدةٌ...
بُعْدَ نجومِ المنافي
وَعَدَّ رملِ السوافي
وَمَدَّ نايِ اَلأسى، وقوافي الأَنينْ
وإنَّ جسمي لَمُضنىً... وإِن قلبي حزينْ!!...
وإنَّ جسمي لَمُضنىً... وإِن قلبي حزينْ!!...