تخطَّ إلى المحتوى

أتراك مثلي يا رفيق تمر في الزمن

مجزوء الكامل

٦٠ بيت

النسيب

أَتُراكَ مثلي يا رفيقُ تَمُرُّ في الزَمَنِ

عَبْرَ المهالكِ، والليالي السُّودِ، والمِحَنِ

لا صاحبٌ يُرخي عليكَ غِلالةَ الكَفَن؟!

أَتُراكَ مثلي تَغتدي خَمَّارَةَ الشَّجَنِ

تَذرُو بَقِيَّةَ عُمْرِكَ الصَّادي بلا ثَمَنِ

لكأَنَّ في عينيكَ بعضَ اللَّمْحِ مِن وطني!!

وأَكادُ أَ لْمَحُ في وُجُومِكَ لَوْنَ مأساتي

جُرحي، وملحمتي، وتشريدي، وآهاتي

أَنا هاهُنا يا صاحبي أَقضي عَشِيَّاتي

أَرثي بجانبِ حَوْرَةِ الشَّلاَّلِ أَمواتي

وجعلتُ صدري كهفَ أشباحٍ وأَصواتِ

كَمَخالبٍ عَصَبيَّةٍ، تستشرفُ الآتي

من أيِّ دهرٍ أَغَبرِ القَسَماتِ مُنصَرِمِ

مِن أَيِّ مَثلُوجِ الذُّؤابةِ، شائخٍ هَرِمِ

مِن أيِّ أَعماقِ الزمانِ أعيشُ في الأَلمِ؟!

وَعَبَرتُ صحراءَ العذابِ مُخضَّبَ القَدَمِ

وحدي لها، أبداً، ولم أَضرَعْ إلى صَنَمِ

دِفءُ العروبةِ في شَراييني، ومِلءُ دمي

بِيَ لَهفةٌ يا صاحبي مشبُوبةُ النارِ

هل بعضُ أَخبارٍ تُحَدِّثُها، وأسرارِ

لِلظامئينَ على مَتاهِ الوحشةِ العاري

كيف الحقولُ تركتَها في عُرْسِ آذارِ

ومتى لَوَيْتَ جناحَكَ الزاهي عن الدارِ

عَجَباً.. تُراكَ أَتيتنا مِن غير تَذكارِ؟!

لو قَشَّةٌ مِمَّا يَرِفُّ بِبَيْدَرِ البَلَدِ

خبَّأتَها بين الجناحِ، وخَفْقَةِ الكَبِدِ

لو رَملتانِ من المُثَلَّثِ، أَو رُبَى صَفَدِ

لو عُشْبَةٌ بيدٍ، ومِزْقَةُ سَوْسَنٍ بِيَدِ

أَين الهدايا مُذ بَرَحْتَ مَرابِعَ الرَّغَدِ

أَم جِئتَ مثلي، بالحنينِ، وسَوْرَةِ الكَمَدِ؟!

عَهدي بِدارِ طُفولتي فِردَوْسُ أَحلامِ

الشعرُ بعضُ ربيعِها المُتَفَتِّحِ النامي

وعلى دَوالِيها تَرَنَّمَ أَلفُ خَيَّامِ

أُنشودةٌ هِيَ، جُمِّعَتْ مِن كلّ إلهامِ

مِن نايِ راعيةٍ، ومن أجراسِ أَغنامِ

وحفيفِ غابٍ، واختلاجةِ جدْولٍ هامِ

عهدي بدارِ طُفولتي سِحريَّةُ الصُّورِ

مغسولةُ الرَّبَوَاتِ في شَلاَّلةِ القَمَرِ

أَواهُ، كم أُمسِيَّةٍ عربيةِ السَّمَرِ

كانت لنا في كُلِّ رابيةٍ، ومُنْحَدَرِ

كم سَرْحَةٍ عند الأَصيِل، ويقظةِ السَّحرِ

بِسِلالِنا ملءَ الرُّبى، وَمَسارِبِ الشَّجَرِ

ماذا رَحِيلُك أيُّها المُتَشَرِّدُ الباكي

عن أَرضِ غاباتِ الخيالِ، وفَوْحِها الزاكي

أم أَنَّ مَرْج الزهرِ أَصبحَ قَفْرَ أَشواكِ

وَتَلَوَّنتْ أَنهارُها بِنَجيعِ سَفَّاكِ؟!

داري، وفي عَيْنَيَّ والشَفتينِ نَجْواكِ

لا كنتُ نَسْلَ عُروبتي، إِن كنتُ أَنساكِ!!

قَسَماَ بِكُلِّ غريبةِ المنفى، وَمُغتَرِبِ

بِالَّلاجئينَ على مَرامي أَعيُنِ الشُّهُبِ

سأَظَلُّ أَحرقُ شمعتي، وأَذوبُ في لَهبي

وأَزُفُّهم كأسي، وأحيا العُمرَ في سَغَبِ

سَأَظلُّ أدفعُ قاربي في الصاخبِ اللَّجِبِ

حتى أُطِلَّ به على دُوَّامةِ الحِقَبِ

أَتُراكَ مثلي يا رفيقُ، فنحنُ سِيَّانِ؟!

أَشجانُك الكُثُرُ الكئيبةُ، ذاتُ أشجاني

أَتُراكَ أَقسمتَ المَعادَ بِمثلِ إيمانيِ؟!

في ضَحوَةِ البعثِ المُلَوِّحِ خلفَ أَحزاني

قُم دَاوِ جُرحَكَ، يا رفيقَ الحَوْرَةِ الثاني

أَنا هاهُنا.. في كُلِّ يومٍ شئتَ تلقاني!