تخطَّ إلى المحتوى

كأنني الآن جميع أمتي أموت

الرجز

١١٤ بيت

المتفرقات

كأنَّني الآنَ جميعُ أمَّتي... أَموتْ

والعربيُّ الأخيرْ

أُذْبَحُ في غَزَّةَ، في عَمَّانَ، في بيروتْ

من عُنْقِ شعبِيَ الصغيرْ

لكنني إذ يشربُ السِكِّينُ خَمْرَ صدري

أُحِسُّ أَنني أَقومْ

أَحِسُّ وُسْعَ الأرضِ مَوْلِدي، وقبري

وأَنَّ ليلتي نجومْ

وها أَنا أَنهضُ من جنازتي، وأمشي

يَسكُنُني القاتلُ، والمقتولْ

كأنَّ خلفَ كلِّ عَطْفَةٍ وِعاءَ نعشي

وخلفَ كل برهةٍ... أيلولْ...

نعم، أَنا تركتُ عُنْفُوانَ بَصْمَتي

على أَشِعَّةِ النجومِ

واكتنزتُ في الكرومِ رَوْنَقَ الدماءْ

أنا الذي قتلتُ حارسَ الظلامِ

واقترفتٌ عامداً مَعْصِيَةَ الإمامِ

واختطفتُ شُعْلَةَ السماءْ...

وها أَنا مُلاحَقٌ لِلأممِ المتحدهْ

هُوِيَّتي... مُخَرِّبٌ... وجِلْفْ...

أَنَّى حملتُ نكبتي في جبهتي المُتَّقِدَة

يقولُ لي العالَمُ... قِفْ!!...

وقفتُ حافياً وراءَ بابِ أُمَّتي العظيمة!!...

أَدُقُّهُ على قلوبٍ مُغْلَقَة

في الليلِ، والثلجِ، وفي مخالبِ الجريمة

حتى غَدَتْ يداي مِطْرَقهْ

وصرتُ ضيفَ أُمتي، وصارَ جِسْمِيَ الوليمة

وهيَّأتْ لي، خيمةً، ومِشْنَقَة!!...

ولم أَزل أُساقُ من مرحلةٍ، لِمرحلة

أَجُرُّ ثِقَلَ الصليبْ

وأَستحيلُ جمرةً، فثورةً، فجلجلة

خلاصَ موطني الحبيبْ

قُلْ عَنِّيَ الطفلَ الذي يُوسَمُ من حليبِهِ

أَو سَمِّني قتيلَ حُبْ

بي جَسَدُ المسيحِ مُوْثَقاً على صليبِهِ

في عالمٍ بدونِ قَلبْ

يا راجمي شعبَ فلسطينَ على ذُنوبِهِ

من مِنكُمُو بدون ذَنبْ!!...

نعم... أَنا طَفقتُ في شوارعِ المدينة

يا أَيها القضاةْ

لعنتُ في الساحاتِ أسماءَكُمُ اللَّعِينَة

وقلتُ إِنكم طُغاةْ

وساقني الجُنْدُ أَمامكم بِتُهمةِ الجنونْ

وقالَ لي العالَمُ: قِفْ

لا تسألوني أَيها المُحَلَّفُونَ من أَكونْ

فإِنني سأَعترفْ...

أنا الذي سجَّلتُ في عَينيَّ عُنوانَها

جَسَّدتُ في جسمي فلسطينَ وأَلوانَها...

أَنا الذي جُرِّعتُ فوقَ الطُّورِ أَحزانَها

وإِنني الوعدُ الذي يَنْشُرُ بُستانَها...

وها أَنا أَلتقِطُ الرصاصَ من عيونِهم

في نارِ لُبنانَ،

أُسَوِّيهِ على صدورهِم قِلادهْ

يا أَيها الموتُ الذي يُشعِلُ بالجرحِ الدجى

أَشْهَدُ أَنكَ الولادهْ!!...

نعم... أَنا نهضتُ من رُفاتِهم،

صَعَدتُ من قَرارِ وادي المَوتْ...

أنا جميعُهم...

شبعتُ موتاً، رُبْعَ قرنٍ، وارتويت

أنا شهيدُ غَزَّةٍ...

شهيدُ قِبْيَةٍ...

شهيدُ بئرِ زَيتْ...

غَفَوْتُ دهراً في دُجى عيونِهم...

لكنني صَحَوْتْ!!...

وأُلقِيَ القبضُ عَليَّ في كُرومِ الناصِرهْ

وجِيءَ بي للقُدسِ

وخرجَ القانونُ... للشارعِ... في مُظاهرهْ!!...

مطالباً برأسي!!...

فها أَنا في قَفَصِ اتِّهامِكُم، يا فُقهاءَ المحكمهْ

عيونُكم عقارِبٌ تَلْسَعُني، من حَدَقاتٍ مُظْلِمَهْ

لكنني أُقسِمُ تحت خنجرِ العدالةِ المُلَثَّمَهْ

عالمُكُم لَعَنتُهُ...

أَدَنْتُهُ...

شتمتُ كل الأنظمهْ!!...

ولو مَلَكْتُ لاخترقتُ غابةَ الذئابِ

واقتحمتُ قلعةَ السياسهْ

لَكُنْتُ ناديتُ على عالَمِكُم، وشَرْعِكُم

في شارعِ النِّخاسهْ...

مَنْ يشتري مني دفاترَ الحقوقْ

وَمادَّةً، فَمادَّةً، وثيقةَ الإِنسان

من يشتري ديباجةَ الإِعلانْ

بِقُبْلَةٍ من شَفَةِ الخليلِ...

بابتسامةٍ...

بدمعةٍ أَصُبُّها على ثَرى بِيسان؟!...

مَنْ يشتري مِنِّي جميعَ المُلوكِ

وَكُلَّ قادةِ العَرَبْ

بشبرِ أرضٍ واحدٍ

من الترابِ المُغتصبْ؟!...

من يشتري وَليَّ عهدِكم، وصاحبَ الجلالهْ

بِعِطْرِ بُرتقالةٍ يافِيَّةٍ... بِقِشْرِ بُرتقالهْ؟!...

مَنْ يَشتري مني جميعَ القِيَمْ

ومجلسَ الأمنِ، وحِفْظَ السلامْ

بِغُصنِ زيتونٍ على الرَّامةِ

يُشجِيهِ هديلُ الحَمامْ؟!...

من يشتري مني حُقولَ الخليجْ

وَكُلَّ نفطِ الأحمَدِيِّ، والدَّمَّامِ، والظهرانْ

بِحَفْنَتَينِ... حفنتينِ... من تُرابِ عسقلانْ؟!...

من يشتري فُسَيْفساءَ مَكَّةٍ، ووَشْيَها،

وقِشْرَةَ الأسطحةِ المُزخرفه

بآيةٍ تُتْلى بصحنِ المسجدِ الأقصى...

وآيةٍ بالصخرةِ المُشَرَّفَهْ؟!...

من يشتري صُلبانَ رُوْمَةٍ جميعَها

وكلَّ فنِّ النحتِ والعمارهْ

بشمعةٍ تُضاءُ في «قِيامةِ» القدسِ

وشمعةٍ تُضاءُ في «المغارهْ»؟!...

نَعَمْ... نَعَمْ... نَعَمْ...

أَنا الذي قتلتُ حارسَ الدجى

أَنا الذي سرقتُ شُعلةَ السماءْ...

وساقني الجُنْدُ أَمامكم بِتُهمةِ الجُنونْ

وقال لي العالَمُ: قِفْ...

لا تسألوني أَيها المُحَلَّفونَ من أَكونْ

فإنني سَأَعترِفْ!!...

سَأَعترِفْ!!...

سَأَعترِفْ!!...