تخطَّ إلى المحتوى

كنت بالأمس إذا أحزن أبكي

الرمل

١٢٦ بيت

المتفرقات

كنتُ بالأَمسِ إِذا أَحزنُ أَبكي

وإِذا أَفرحُ... أَبكي...

كان سُهْدُ الليلِ تاريخي

وحزنُ الأَرضِ مُلكي...

ثم يوماً، جِيءَ بي لِلطُّورِ

في ثُلَّة حُرَّاسٍ... وفي إِكليلِ شوكِ...

يومَ أَن نُودِيتُ من دونِ بَرَبَّاسَ

وسُمِّيتُ لدى الشرطةِ باسمي

خانني الدمعُ... إِذ الدمعُ غشَا مُقلةَ أُمي!!...

وأَنا السافحُ شِرياني على ثغرِكِ نَعماناً...

وفي صدرِكِ تيجانَ زَهَرْ...

صارَ جفنايَ جليداً... وحَجَرْ...

وجعلتُ الآن أَبكي من مساميرِ ضلوعي

ودموعي...

صِرنَ في قلبِيَ كِبريتاً، وَلَسْعاتِ إِبَرْ...

وأَنا الضاربُ، في بَرِّيَّةِ الليلِ،

على غير أَثَرْ

قَذَفتْ بي «ديرُ ياسينَ» بِطُوفانِ النجيعِ

وَقُلوعي...

ضَيَّعتْ يابسةَ الصبحِ على «بحرِ البَقَرْ»!!...

كان نَيْسانُ على الدِّلتا... زَغاليلَ...

وأَعشاشَ حديقة...

كان أَسرابَ حساسينَ

على بَرِّيَّةِ الشامِ طليقهْ...

كيف أَضحى... ليلةَ التاسعِ...

في أَوديةِ القدسِ، ثعابينَ...

وفي الثامنِ...

في جِلبابةِ النيل... حريقه؟!...

وأَنا بَعْدُ بِلا خُفَّينِ...

يُوحَنَّا الذي يشردُ في الصحراءِ

كي يغزلَ رُؤياهُ... تفاصيلَ حقيقه!!...

آهِ يا مَكَّةَ أَحلامي... وبغدادَ أَناشيدي...

ويا رحلةَ أَشواقي البعيدة...

إِنني أَنزِفُ، في إِثْرِكِ، أَعصابي وروحي

وَتَزَوَّدتُ، على الترحال، من نَسْغِ جروحي

لكِ غَنَّيتُ... وَصَلَّيتُ... وَصُمتُ...

لكِ منذُ البدءِ كنتُ...

فيكِ عُلّقِتُ على الطُّورِ... وَقُمتُ...

فمتى تشفعُ لي عندكِ آهاتي المديدة؟!...

ها أَنا الليلةَ مَجنونُ بَوادِيكِ،

أُنادِيكِ،

وأُقصيكِ على أُرجوحةِ الحُلمِ،

وأُدني...

فاجعلي لُغزَ هوىً عن أَعينِ الحُرَّاسِ

ما بينكِ، في الليلِ، وبيني...

وانشري وجهَكِ مصباحاً

على قلعةِ سجنِ...

فإِذا خَبَّأَكِ السلطانُ عني

لا تَبُوحي لِسِوى أَربعةِ الريحِ

سآتيكِ على صَهوةِ أَشواقي العنيدة!!...

ليس ما تَنْقُفُ عينايَ دموعاً...

كان هذا قَطْرَتَيْ طَلٍّ

تسيلانِ على خَدَّيَّ من وَرْدِ بلادي...

كان هذا أَلَقَ النجمِ الذي يَمتصُّ جَفنيَّ

وتاريخَ سُهادي...

فانظريني... لستُ أَبكي...

إِنني أُسرِجُ في الليلِ...

إِلى الصبحِ...

جَوادي!!...

وأَنا النادبُ، والحادي، وَصَيَّادُ القوافي

وأَخو الجِنِّ... وصُعلوكُ القبيلة...

ضاع صوتي خلفَ أَسوارِكِ، يا قِبْلَةَ أَحلامي...

ويا مَكَّةَ رُؤيايَ الظليلة...

فانشري وجهَكِ قنديلاً على غاشيةِ الليلِ

وَمُدِّي لِِيَ من نافذةِ السجنِ... جَدِيله...

وأنا الَّلاهِثُ _ مازلتُ _ على جُرْدِ الفيافي

شَرِبَ الرملُ شرايينَ أَغانِيَّ القتيلة

وَنَفَتني، تحت أَبوابِكِ، أَبوابُ المنافي

صَرتُ لا أَقْدِرُ أَبكي... أَو أُغنِّي...

منذ أن ضَيَّعتُ حلقي، في حَزِيرانَ، وجفني...

صِرتُ مخلوعاً على التِّيهِ بلا تاجٍ ومُلْكِ...

لا... يَميناً لستُ أَبكي...

صار يبكي صاحبي... عنهُ... وَعَنِّي...

مُذْ رأى الدربَ إِلى «كِنْدَةَ» أَقصَرْ...

قال لي:

«يا صاحِ... إن رُمتَ بِلادَكْ...

«فاختصرْ هَمَّكَ في الرومِ، وقَيصرْ

«واثنِ لِلأَهلِ جَوادَكْ!!...

غيرَ أَني... غيرَ أَني... غيرَ أَني!!...

آهِ لو تَزْجِلُ عني لُغَةَ الشوقِ حمامهْ

خلفَ شُبَّاكِ حبيبي...

آهِ لو يعلمُ من أَهواهُ، أَهوالَ دُروبي...

حَلَّقَ الخَفَّاشُ أفواجَ أَبابيلَ على «بحرِ البقرْ»...

وجوادي... صار جَدْياً... وَبَعيري...

صار في الغُربةِ، خِنزيرَ قِمامهْ...

وأَنا... صِرتُ نعامه!!...

آهِ يا ضائعةَ المِفتاحِ... يا مَكَّةَ أَسفاري وَكُتْبِي...

أَين أَنتِ الآنَ، يا قِبْلةَ أَيامي الحزينة؟...

سوف أُعطي ضَوْءَ عينيَّ، وياقُوتَةَ قلبي

لِلَّذي يُعطيِ لِيَ الدربَ... ومِفتاحَ المدينة!!...

لستُ أَبكي...

كان هذا غَبَشَ الصبحِ... وتعتيمَ غَمامهْ...

تُمطِرُ الحزنَ على «بحرِ البقرْ»

كان هذا صحوةَ الجرحِ... وناقوسَ كرامه...

وعفاريتَ... ونِيرانَ ذِكَرْ...

«ديرُ ياسينَ» هنا ترسُمُ للفجرِ علامه

وعلى خَدِّ حبيبي

قُبلةُ «الإِسراءِ» سَوَّتها يَدُ المبدع... شامَهْ...

والعصافيرُ التي طارت... من الطُّورِ...

أَفاقت تُنشِدُ الفِصحَ بِبُستانِ القيامة

حين وافَى زائِرُ الطاعونِ... مامُوثَ دَمامَهْ...

فالذي كان على الدِّلتا ثلاثينَ نَغمْ

صارَ أَشلاءَ... وأَشياءَ... وَدَمّْ...

وامَّحَت عن شَفَةِ الصبحِ ثلاثونُ ابتسامه!!...

آه يا حزنَ ثلاثين قَمَرْ

يا ثلاثين نزيفاً... وثلاثين حمامه...

ضَفِّري من دَمِكِ الشوكَ أَضاميمَ زَهَرْ

وازرعي الدِّلتا براكينَ... وأَبواقَ قَدَرْ

تُخرِج الحيَّ... من المَيِّتِ...

والمَيْتَ... من الحَيِّ...

وتُبقي... حيث لا تُبقي...

وَتَذْرُو... وَتَذَرْ!!...

ازرعي الدِّلتا براكينَ وغاباتِ رِماحْ

هِيَ هذي وفَدَتْ خيلُ التَّتَرْ

والجرادُ الحاجبُ الشمسَ، ومُغتالُ الصباحْ

والمماليكُ على الناسِ... صُوَرْ...

آهِ لو تُعطي لِظهر الأَرضِ

ما تَكنِزُ أعماقُ الحُفَرْ...

لو يعودُ الظاهرُ البيبرسُ...

لو يأتي صلاحُ الدينِ...

لو يدري عُمَرْ!!...

وأنا ضَيَّعتُ مفتاحي إِلى مَكَّةِ أسفاري وكُتْبي

أين أنتِ الآنَ يا قِبْلةَ أَيامي الحزينة؟؟...

سوفُ أُعطي ضَوْءَ عَيْنَيَّ، وياقوتةَ قلبي

لِلَّذي يُعطي لِيَ الدربَ... ومِفتاحَ المدينة!!...

لِلَّذي يُعطي لِيَ الدربَ... ومِفتاحَ المدينة!!...