آتٍ على الدهرِ، خلفَ القهرِ، إِعصارُ
دَمٌ يَصِيحُ، وراياتٌ، وثُوَّارُ
وَمُشْرَعاتُ جِباهٍ سُطِّرت غَضَباً
مِن وَعدِها النورُ، أو مِن وَقْدِها النارُ
وَمَدُّ شعبٍ كيومِ الحَشْرِ لُجَّتُهُ
طُوفانُ ثأرٍ على الآفاقِ هَدَّارُ
حتى يَهِلَّ صباحٌ لا انتهاءَ لهُ
وَيَستَجِدَّ وراءَ الليلِ إسفارُ
حتى يُطافَ على الدنيا بآنيةٍ
مِن قَطْرِ داليةٍ، والسعدُ خَمَّارُ
وَيُعشِبَ الرملُ جَنَّاتٍ مُخَضَّلةً
وتَنْهَمي مِن سَواقي الخُلدِ أَنهارُ
آتٍ غدُ النصرِ، دُنيا في تَأَلُّقِها
تَهِمُّ ترقصُ أَفلاكٌ وأَقمارُ
غَدُ القيامةِ، لم يَشهد مدينَتَهُ
إِلاَّ أَدِلاَّءُ دون الركبِ أخيارُ
جازُوا إليهِ فَلاةَ الموتِ، وارتسَمَتْ
جِراحُهُم، وهي لِلتَّالينَ آثارُ
هُمُ الأُلى قُتِلوا في اللهِ، تَحسَبُهم
مَوْتى، وأَعمارُهم في الخُلدِ، أَعمارُ
آمنتُ بالجرحِ، مِشكَاةً على غَسَقٍ
ما ارتَدَّ عن بَيِّناتِ الصبحِ كُفَّارُ!!
لي بالخليلِ انتسابٌ، ثَدْيُها، وَلَها
شُدَّتْ شَرايينُ قلبي وهي أَوتارُ
صُبِّي حليبَكِ يا أُمَّاهُ فَيْضَ رُؤىً
حتى تُحَلِّقَ بي لِلنجمِ أشعارُ
بين الأَضالعِ بي جِنٌّ مُصَفَّدَةٌ
وَكَم تَئِنُّ بِحَبْسِ القلبِ أَسرارُ
وفي فمي، عن قَراحِ الماءِ، حَنْظَلَةٌ
وعن رحيقِ دوالي السفحِ، مُرَّارُ
فَأَترِعي الكأسَ لي، كأسينِ، بي ظَمأٌ
على القِفارِ، ونَبْعُ الدار «فَوَّارُ»
أُرجوحتي أَنتِ، في آنٍ، ومِقْصَلتي
رُبَى الخليلِ، وأَنتِ الغيمُ والنارُ
أَنتِ اتِّحادُ أناشيدي، هَوىً، وجَوىً
وأَنتِ ذاكرتي إِنْ عَزَّ تَذكارُ
عَلَيَّ دَيْنُكِ باقٍ بَعْدُ في عُنُقي
والدهرُ ما بيننا، قَحْطٌ، وإِنكارُ
قد غَرَّبَتْني وَراءَ الحُلْمِ، سَيِّدتي
إليكِ، عنكِ، متاهاتٌ، وأَسفارُ
يَشُدُّني ثِقَلُ الأَصفادِ مِن جَسَدي
وَخَفْقُ قلبي على مَغناكِ طَيَّارُ
أَيا سَقَتْ «وادِيَ التُفَّاحِ» تُزْهِرُهُ
مِن مُزْنِ عَيْنيَّ أَنداءٌ، وأَمطارُ
ويا «كَناراً» بأَحناءِ الرُّبى جَذِلاً
أَبِالخمائلِ، بعد البَيْنِ، دَيَّارُ
خَبَّأتُ في «دُورَةٍ» قلبي، فما جَسَدي
إِلا خيالٌ على الآفاقِ خَطَّارُ
كَأَنَّ «بالدِّلبةِ» الخضراءِ يَسرِقُني
حُلْمٌ، وَيعْتِقُني لِلنجمِ مشوارُ
وَلي «بِوادي نِزارٍ» في الربيعِ لُقىً
بَرِّيَّةٌ، وأَداحِيٌّ، وشُنَّارُ
وَمِن عَلى شُرُفاتِ السفحِ ترحلُ بي
لِلَّانِهايةِ، آصالٌ، وأسحارُ
أَبَعْدُ «بِالرَّامِ» لُقيانا، وليلَتُنا
عَرَيشةٌ، وعناقيدٌ، وأَسمارُ
أَمْ بَعْدُ لا يطلعُ الرُّمانُ في جَبَلٍ
إلا و«حَلحُولُ» مِن تِيهٍ جُلُنَّارُ
دُنَىً بِأَعلى الدُّنى، ما غيمةٌ هَمَلَتْ
إِلا وراعٍ تَساقاها، ومِزمارُ
وبالصَّنَوْبَرِ إِن هَسَّ النسيمُ بِهِ
فَوْحٌ، وبَوْحٌ، وإِقلاعٌ، وإِبحارُ
هِيَ الخليلُ، سَماواتي، وأَجنِحَتي
مُذْ غَلَّني في حديدِ الحُزنِ... أَ يَّارُ!!
آهٍ على دَمِ قومي يَغْتَلي بَدَداً
فيهم، وَيَأْسَنُ، إِنْ نْاداهُمُ الثارُ
ناديتُ لُبنانَ، يا قُربانَ مَجزرةٍ
هَلاَّ ارتوى مِن نزيفِ الشرقِ جَزَّارُ
لم أَدرِ أنَّ فَمَ التِّنِّينِ هاوِيةٌ
وَعَدَّ أَيديهِ أَشباحٌ، وأَدوارُ
وأَنَّ بيروتَ حَطَّت في أَكِنَّتها
عن الحمائمِ، غِربانٌ، وأَوكارُ
لَعنتُ قابيلَ، لا انفكَّتْ تُطارِدُهُ
على الخليقةِ، مِن كَفَّيهِ، أَوزارُ
وَيا وَقَى اللهُ رَحْبَ الشرقِ غاشِيةً
إِذا استطابَ شَهِيَّ الإِثمِ أَغرارُ
لا يَرعَوُونَ، إذا ما فِتنةٌ ضَرِمَتْ
أَن يَستَشِب لَظى «الفِجَّارِ»، فُجَّارُ
تَبَّ النقيضانِ: إِن صاحَ الجهادُ بِهم
بُلْهٌ، وإِن صاحت البغضاءُ، شُطَّارُ
وإِن دعا المسجدُ الأَقصى بِنازلةٍ
سِيقتْ إِليهِ تَعِلاَّتٌ وأَعذارُ
لا بارك اللهُ في قومٍ، وإِن كَثُروا
وَعَدُّهُم عن يَسارِ المجدِ أَصفارُ
وإِنْ تَكُنْ أُمَّةٌ، قد أَمَّها جُنُبٌ
ما زَعْمُ أَنَّ سوادَ الشعبِ أَطهارُ!!
لا طَيَّبَ الله غُسْلاً في عِبادتِهِ
إِذا بِمَقْدِسِهِ لم يُغسَلِ العارُ!!
أَستودِعُ الله حَوْلَ القُدسِ لي وَطَناً
وَمَعْشراً، غيرُهم في البالِ مِعشارُ
رَديُفهم مِن ذُرى البلقاءِ عاربةٌ
رَبيئُها خلفَ نجمِ الصبحِ سَهَّارُ
هُم أُردنيِّونَ، باللَّطُرونِ مِن دَمِهِم
تَزهوُ شَقائِقُ نَعمانٍ، وَنُوَّارُ
سَقَوْا رياحينَ «بابِ الوادِ» ظامئةً
نَسْغَ الصدورِ، «فبابُ الوادِ» مِعطارُ
هُمْ أُردُنِيُّونَ، جَمْعُ اثنينِ في أَحَدٍ
مُهاجرونَ على عَوْدٍ، وأَنصارُ
هُمُ الحنينُ بِأَحداقي، وإِن ظَلَموا
وغُصَّةُ الشوقِ في روحي، وإِن جارُوا!!
وما فلسطينُ، والأُردُنُّ، ما افتَرقَا
إلا قِرابٌ، تَلَظَّى مِنه بَتَّارُ
يا دارَ كنعانَ، في أَعناقِنا قَسَمٌ
أَلاَّ تَبِيتَ على بَلْوائِها الدَّارُ
أُولاءِ أَهلي، ذَكَتْ مِن جَمْرِ أعيُنِهم
نارُ الصمود، وما يَنْفَكُّ إصرارُ
يَسقُونَ حتفاً، بِحَتْفٍ، كُلَّ ذي صَلَفٍ
إِنْ لا سلاحٌ، فأَسنانٌ، وأَظفارُ
أُولاءِ نحن، تُعَزِّينا مَصارِعُنا
أَنَّ الشهادةَ ميلادٌ، وإِكثارُ
حتى اقتسمنا دِهاقَ الموتِ أَنصِبَةً
يومَ الكريهةِ، نَغشاها، ونختارُ
نُعطي، فنَأخذُ، لا نَأوي إلى دَعَةٍ
وَمَلعَبُ الرَّوْعِ، إقبالٌ، وإدبارُ
إن نَحترِقْ، نَنْعَتِقْ، إيذانَ مُعجزةٍ
وَبَعدُ، عن ياسرٍ، يأتيكَ عَمَّارُ!!
قُل لِلدَّخيلِ رَكبتَ اليَمَّ ساجَيةً
أَمواجُهُ، وفُؤادُ اليَمِّ زَخَّارُ
ما أَنتَ بالأَوَّلِ العاتي بِصفحتهِ
ولا بِآخرِ مَن يَطويهِ تَيَّارُ
تُعطي لكَ الأرضُ نُعْمَى فوق قِشرَتِها
وآزِفُ الخَطْبِ في الأَعماقِ موَّارُ
أَمْ قد حَسِبتَ قِلاعَ الليلِ من حَجَرٍ
صَلْدٍ، وجَوهرُها قَشٌّ وفَخَّارُ؟!
هذا الزمانُ عَصِيُّ المَتْنِ، ذو غِيَرٍ
دُولابُهُ بسَنامِ العزِّ دَوَّارُ
وَهْيَ الجماهيرُ إن ماجت على أُفُقٍ
أَيَّانَ تدفعُها جُندٌ وأَسوارُ
أَم رابَكَ الظَّنُّ أن لانَتْ شَكِيمَتُها
حتى تَمَسَّكَ من رمضائِها النارُ
آتٍ غَدٌ، مِن مَخاضِ القهرِ مَطلعُهُ
قد أَنجبتهُ عذارى الحُلْمِ، أَبكارُ
فَكُنْ دُخاناً، فقد لاقيتَ زَوْبَعةً
إن كِلْتَ صاعاً، فَكَيْلُ الشعبِ قِنطارُ!!
يا مَنْ تُعاتِبُ «إِسرائيلَ» واخَجَلا
متى يُلامُ بِعُنْقِ الشَّاةِ جَزَّارُ؟!
إلاّ كما لامَ عبدُ الذُّلِّ سَيِّدَهُ
واسْتَرْحَمَتْ شَبَقَ السَّاطورِ أبقارُ
مَنْذا، سِوانا، حَنَى لِلظُلمِ جَبهتَهُ
سَلِ البصيرةَ، إِن أَعياكَ إِبصارُ!!
فجيعةُ العُربِ فيهم، لا السَّفينُ على
قَدْرِ المحيطِ، ولا الرُّبَّانُ بَحَّارُ!!
لكنَّ قُمْقُمَ هذا الليلِ يُنبِؤُني
أَنَّ الحبيسَ به، إن هَبَّ، جَبَّارُ
وأَسْطَعُ النجمِ ما تَغشاهُ داجِيةٌ
وأَرْوَعُ النارِ ما يَهتاجُها القارُ
وما عَطاءُ ثُلومِ الأَرضِ بَيْدَرَها
إلا جنَى ما استَجَنَّ الأَرضَ بَذَّارُ!!
بَغدادُ غوثاً، أما مِن دِجلةٍ رَمَقٌ
والطُّورُ يَنزِفُ، والمحرابُ يَجتارُ
فَأسرِجي، وَيْكِ، خَيْلَ النارِ حانِقةً
ما الخيلُ إِن لم يكن بالقدسِ مِضمارُ؟!
لَيَأتِيَنَّ غَدٌ يُزجي العراقُ بِهِ
نَبُوخَذاً، ويُضِيءُ الكونَ سنِجارُ
وتَنثني ذِكَرُ التاريخِ مِن يَدِهِ
وَهُنَّ خُرَّدُ سِفْرِ المجدِ، أبكارُ
أُولاءِ في الرَّوْعِ، رأسُ النَّبعِ، إِن نُدِبُوا
قَيْسٌ، وَعَبْسٌ، وشَيْبانٌ، وأَنمارُ
حُمْرُ الظُّباتِ، عِراقيُّونَ، جِنُّ رَحَىً
ما كلُّ مَنْ سَلَّ حَدَّ السيفِ مِغوارُ
وما تَمطَّى أَنُوشِروانَ غطرسةً
إِلاّ وَغُلَّ لَهُ في الطينِ منخارُ!!
عَشِقتُ بغدادَ، لا أُخفي بها دَنَفي
إذا تَكَتَّمَ بَوْحَ القلبِ أَغيارُ
مَنْ لي «بِسَعْدٍ»، وَرِفْدٍ فائرٍ دَمُهُ
أَما دَمٌ، غيرَ جُرحِ القدسِ، فوَّارُ
وبالشآمِ نَظيرٌ مِن خلائقِهِ
ذُو مِرَّةٍ، يومَ ذاتِ البأسِ، قَهَّارُ
فالتوأَمانِ هُما، ما حِيلَ بينهما
إِلا صَبَتْ لِرُبى الجَوْلانِ، أَنبارُ
لَيَأتِيَنَّ غَدٌ وُسْعَ الخيالِ، لَهُ
على الدياجيِر أَعراسٌ وأَنوارُ
تَسقيهِ جِلَّقُ ثَدْياً، وَهْيَ ظامِئةٌ
ورمزُ جِلَّقَ أَنَّ الحُبَّ إِيثارُ
تَباركتْ أَلَقاً وَضحاءُ جَبهتِها
يَزِيُنها الغارُ، أَم يَزهُو بها الغارُ
دِمشقُ مُبتَدأُ الدنيا، وإن خَبَرٌ
فَمِن أُمَيَّةَ مِلءَ الكونِ أخبارُ
ما بئْرُ نفطٍ بِسُقياها لِذِي عَطَشٍ
إذا زَهَتْ بِحُقُولِ الزِّفتِ آبارُ
وما تنوبُ إِلى حربٍ دراهِمُها
عنها، ويَقْتَبِلُ الهيجاءَ دينارُ
بل أُعطِياتُ دَمٍ تُسْدَى مُعَتَّقَةً
تَستافُها أُمَّةٌ ظمأَى، وتَشتارُ
وصاعقاتُ خطىً إِيقاعُها قَدَرٌ
وجحفلٌ، إِنْ تَداعى القومُ، جَرَّارُ
قد خَطَّ فاتحةَ التاريخِ مِن دَمِهِ
وَبْعْدُ، مِن دَمِهِ، تَزدانُ أَسفارُ
فَرْدٌ، مُثَنَّىً، على اليرموكِ مطلعُهُ
والقادِسِيَّةُ عُقباهُ، وذِيقارُ
غَوْثاً أَيا شامُ، مَن إلاَّكِ تَنْدُبُهُ
وُسْعَ المُحيطَيْنِ، أَنجادٌ، وأَغوارُ
عَهِدتُ أَنَّكِ أَنتِ «القومُ» ما اجتَزَأَتْ
حِمَى العُروبةِ أَشلاءٌ، وأَقطارُ
يا حبذا عَلَمٌ، عن أَلفِ خافِقَةٍ
ودارُ عِزٍّ، ولا بالذُلِّ أَديارُ!!
آتٍ على الدهرِ، خلفَ القهرِ، إِعصارُ
دَمٌ يَصيحُ، وراياتٌ، وثُوَّارُ
لي بالخليلِ انتسابٌ، ثَدْيُها، وَلَها
شُدَّتْ شَرايينُ قلبي وَهْيَ أَوتارُ
فَمي لِمَجدكِ، يا أُمَّاهُ، أُغنيةٌ
وخافِقِي في عذابِ الليلِ قِيثارُ
وما رَضِعتُ حليبَ الشعرِ من أَمَةٍ
إِذا تَيَتَّمَ صَدْرَ الأُمِّ أَطمارُ
لو عُدَّ شِعراً خَواءُ اللفظِ، مِن سَأَمٍ
فأَبلغُ الشعرِ ما غَنَّاهُ صِرصارُ
بل قد تَعَلَّلتُ نَهْداً مِن مَراشِفِهِ
تجري، من العَسَلِ البَرِّيِّ، أَنهارُ
هِيَ الخليلُ، إِذا الحُرِّيَّةُ اقتبسَتْ
وَهْجاً، وَدَقَّ رِتاجَ الخُلْدِ أَحرارُ!!