إلى الله ربّ العرش أشكو مصيبتي
وما حلَّ فينا من عظيم المصائبِ
إلى الله أشكو لا إلى الناس حالتي
فهَبْ لي اصطبارًا منك يا خيرَ واهب
مصابٌ دهَى قلبي فهيَّجَ عَبْرتي
سأبكيه دهري بالدموع السواكب
فُجعْتُ به فالله يُبْرد لوعتي
وينعشني بالصبر أسنى المراتب
فآهًا على عبدالعزيز وفقْده
وآهًا على فقْد العلا والمراتب
وآهًا على تلك المجالس والْبَهَا
فمن مثله في الشرق بل في المغارب
رُزِئنا به طرًا فيا عِظْمَ فادحٍ
فأعظِمْ به صدْعًا عظيم النوائب
فثلْمَتُهُ كبرى لدى كل عاقلٍ
مصيبته عُظْمَى مِنَ اعلى المصائب
فمَن مثلُهُ فينا، وأين نظيره
مُديمًا على التعليم أسنى المراتب؟
حريصًا على نفع الورى واهتدائهم
عزيزًا عليه الميل نحو المعائب
يعيد دروسًا زانها الله بالبها
على عدد الساعات ليس براغب
صبورٌ على حلو الزمان ومُرِّه
شكورٌ لفضل الله مُسدي المواهب
لقد كان يحنو للفقير بِرقَّةٍ
إذا عام في التطلاب صافي المشارب
يقرُّ به طورًا وطورًا يحثّه
على السعْي في نيل العلا والمكاسب
به الغُرَبا «تحتاط» من كل جانبٍ
يشجّعهم للفقه في كل واجب
قضى عمرَه درسًا وتعليمَ جاهلٍ
ونصحًا وإرشادًا لدى كل صاحب
مديمًا على بحث الغوامض جهدَه
بفكرٍ وفهمٍ مستنيرٍ وثاقب
لقد كان في علم الفرائض آيةً
فسبحان مَن قد خصَّهُ بالمواهب
يفكّك تركيباتِها وحسابَها
له نظرٌ في فقهها والغرائب
إذا خاض في أبوابها وعلومها
وأحكامها يومًا أتى بالعجائب
له همّةٌ في النحو ليست لغيره
له نهمةٌ يدري بها كلُّ طالب
له البحثُ والتقرير للعلم والهدى
ألذُّ وأشهى من وصال الحبائب
ينافس في كسب العلوم وحفظها
بعيدٌ عن الفحشا وقرب المعائب
فكم من سؤالٍ حلَّه بجوابه
بفهمٍ دقيقٍ جيّدٍ غير عازب
مجالسُه كانت علومًا وحكمةً
وفقهًا وتحقيقًا لذيذ المشارب
فهمَّتُه في العلم يدري بها الورى
فسل منصِفًا يُنْبيك عن ذي المناقب
لقد كان منهومًا وقد كان مولعًا
وقد كان مشغوفًا بنيل المآرب
وكان عفيفًا قانعًا متواضعًا
فما هَمُّه تَطلاب نيل المناصب
ولا رفعةٌ بين الورى ورياسةٌ
يريد بها الدنيا ونيلَ المكاسب
له همّةٌ قعساءُ في طلب العلا
ومذهبُه - واللهِ - خير المذاهب
مشائخه قومٌ هُداةٌ أجلَّةٌ
لقد خصَّهم ربي بخير المواهب
يوالون في الرحمن من كان مخلصًا
يعادون أهل الزيغ من كل ناكب
يحبّون في ذات الإله ذوي الهدى
ويهدونهم عن مقحمات المعاطب
ويدعونهم بالقول والفعل جهدَهم
إلى الله ربّ العرش من كل جانب
سجيّتهم بثّ النصائح بينهم
فهم قدوةُ الساري نجوم الغياهب
وهم زينة الدنيا مصابيح ليلها
مشارقها طرّاً كذا والمغارب