يا راحلينَ وفي قلبي لكمْ شغفٌ
ثار اشتياقي وما وافيتُ مأواكم
وغائبينَ عنِ الأنظار في سفرٍ
أما رحمتمْ فؤادًا ظل يهواكم
صبري تناثر في أَرجاءِ صومعتي
وليسَ ليْ مِن أنيسٍ غير ذكراكم
ملّ انتظاري وما ألفيتُ مسكنكم
أضحى عليّ عصيًّا بعد فرقاكم
والله ما مسني جرحٌ ولا سقمٌ
إلا وقالَ طبيبي منْ رزاياكم
ولا تسللَ للأَكْبادِ مِنْ فرَقٍ
إِلَّا وجاءَ حَثِيْثًا مِنْ زواياكُمْ
وَلَا تَنَهّدتُ في الآصالِ مِنْ وَجَعٍ
إِلَّا وَضَاعَ على الآفاقِ رَيَّاكُمْ
ولَا شَمَمْتُ هُبُوْبَ الطَلِّ مِن نِسَمٍ
إِلَّا تبدى خيالٌ مِن مُحَيَّاكُمْ
لَكِنَّهُ قَدَرٌ قد خُطَّ في صُحُفٍ
حُزْنٌ بِرُوْحِيَ ما أََقْسى مَنَايَاكُمْ
تَجُوْلُ في خَاطِرِيْ أَسْمَاؤُكُمْ غُصَصًا
سُبْحَانَهُ مَنْ بِكَأْسِ المَوْتِ أَسْقَاكُمْ
ما هَمَّنِيْ في الدُّنَا مالٌ ولا لعِبٌ
إِلَّاكُمُ يا نَدَامى الرُّوحِ إِلَّاكُمْ
وَلِيْ صَهِيْلٌ مِنَ الذِّكْرَى يُخَالِجُنِي
شَطَّ المَزَارُ وما شَطَّتْ حكَايَاكُمْ
كُلُّ المَوَاعِيْدِ ثكلى في غِيَابِكُمُ
مِنْ بَعْدِ أَنْ زَانَها بالْأنسِ لُقْيَاكُمْ
تَنَاوَشَتْنِيْ الْرَّزَايا بَعْدَكُم شَظَفًا
فكيف يحلو مذاقُ العَيْشِ لولاكُمْ
كَلَّا وما راعنيْ فقْدٌ وَنَائِبَةٌ
إِلَّا لَكُمْ والذي بالحقِّ سَوَّاكُمْ
وَلَا تَقَلَّبْتُ في صُبْحٍ وداجِيَةٍ
إِلَّا أعترتنيْ طيوفٌ مِنْ مَرَايَاكُمْ
ولوْ قضيْتُ سنيْنَ الْدَّهْرِ مُمْتَدِحًا
لَمَا حَصَرْتُ نَقِيْرًا مِنْ مَزَايَاكُمْ
تَرَكْتُمُوْنِيْ وَحِيْدًا أَشْتَكِي عِلَلًا
كَيْفَ الوَدَاعُ وَمَا مَلَّيْتُ رُؤْيَاكُمْ
أما رشفنا دِلالَ البُنِّ زاكيةً
أَما طعمنا الهوى عذبًا وإياكم
وكم جمعنا شذا الأنخابِ ضاحكةً
منّا اللّيالي وكم غنّت حناياكم
خلفتموني على الأوراقِ منطرِحًا
ونبض حرفيْ قتيل من ضحاياكم
ما أغربَ العمر غدرٌ في تقلّبِهِ
عشنا ابتهاجًا ونحن اليوم ننعاكم
أما اقتسمنا رغيفَ الخبزِ في سمرٍ
وناولتنا كؤوسَ الشاي يمناكم
وكم أقمنا بأَطلال الهوى زمنًا
نزجي القلاصَ على أطراف مرعاكم
ويا طيورَ النوى رفقًا بخالجةٍ
ذبتمْ نواحًا وذُبنا مذ سمعناكم
ولا قطعتم رُبا البيداءِ في سفَرٍ
إِلَّا وفكري صريعًا في ثناياكم
جئتم إلينا تهادونَ الهوى زُلَفًا
ونحن كالبرقِ يسري حين جئناكم
وقد فرشنا منَ الأعماقِ مهجتنا
أَهلًا وسهلًا رفاقَ الروحِ حياكمْ
غمرتمونا عهودَ الوصلِ مِنْ فرحٍ
رَيَّا اللِّقَاءِ وَعَيْنُ اللهِ تَرْعَاكُمْ
كنتمْ علينا غمامًا صيِّبًا غدِقًا
بشراكمُ يا صحابَ الحيِّ بشراكمْ
ولا تملّيتُ منْ شمس ولا قمرٍ
إلّا وصبَّحكمُ شوقيْ ومسّاكم
ولا وقفتُ على الأطلالِ من ألمٍ
إلّا وفاح عبيرٌ مِنْ بقاياكمْ
حسبي مِنَ الحُبّ أوصابٌ ومهلكةٌ
لكنّ قلبي حفِيّ حين أغلاكم
وقد بكيتم على فقدٍ وموجِدةٍ
والآن أزرى بنا ما كان أبكاكم
وما عدلتُ بمَلكِي عن مرابعكم
لكن خشيتُ حميمَ الدمع يصلاكمْ
تراقصَ الرمشُ مزهوًّا بطلتكم
ورفرف القلبُ حُبّا حين وافاكم
طارتْ إلينا تهانيكمْ وضحكتُكمْ
وآنستنا معَ اللقيا هداياكمْ
كنتم لنا بلسمًا يشفي مواجعنا
وما شبعنا بحالٍ من وصاياكمْ
ولم نظنَّ بكم سوءًا ومثلبةً
وما شككنا بتاتًا في نواياكُمْ
فلا التَّشفِّي بطبعٍ مِنْ خليقتنا
ولا الجفاوةُ ضربًا منْ سجاياكمْ
وما اقترفنا بحقّ الوصلِ من زللٍ
كلا وما كان جُرمًا مِنْ خطاياكم
وفَّيتمونا لفيحَ البينِ يلهبنا
ونحن نصلى سعيرًا ما وفيناكم
وقد تعنَّتْ خيولٌ نحوكمْ كبدًا
قضت غليلًا ولم تدْركْ مطاياكم
فاضت دموعي على أجداثكم هطلًا
فهل غياثُ عيوني قد تغشاكم
ولم أناديكمُ للعَودِ من شفتيْ
لكنهُ داعي الأشواق ناداكم
أضناني البُعد مذ فجرتمُ مهجًا
فطارَ قلبيْ شظيًّا منْ شظاياكمْ
خذوا بكائي دليلًا نحو موطنكم
لعلني في جنَانِ الخلدِ ألقاكم
مطران
العياشي