تخطَّ إلى المحتوى

دمع الطل وجن الغسق

الرمل

٤٦ بيت

النسيب

دَمَعَ الطَّلُّ وَجَنَّ الغَسَقُ

وَجَثَا الهَمُّ عَلَيْ وَالأَرَقُ

وَسَقَانِي مِنْ نَوَى الضَّعْنِ أَسًى

ذَوَّبَ القَلْبَ الجَوَى وَالحُرَقُ

أَسْهَرُ اللَّيْلَ أُحَاكِي نَجْمَهُ

عَنْ نِيَاطِ ثَارَ فِيها القَلَقُ

أَأَنَا الجَانِيْ بَلِ القَومُ هُمُ

ذَبَحُوْا صَدْرِي وَقَلبِي اخْتَرَقُوْا

غَابَ عَقلِيْ مُنذُ أَنْ مَرُّوا بِهِ

كَيفَ يَصحُو وَشُعُوْرِي سَرَقُوا

أَرَفِيْقَ الدَّرْبِ لَيْلِيْ هَدَّنِيْ

أَتَرَى سَوْفَ يَحُطُّ الفَلَقُ

أَتَرَى غُصْنِيْ غَفَا أَمْ أَنَّهَا

لَمْ تَزَلْ رِيْحُ الهَوَى تَصْطَفِقُ

أَفْرُشُ الوَرْدَ لَهُمْ كَي يَنْعَمُوا

وَهُمُ نَحْوِي نِبَالًا رَشَقُوا

أَلْهَبَتْنِي صُوْرَةٌ مِنْ ضَعْنِهِم

وَهَمُ فِي كُلِّ نَاحٍ فِرَقُ

أَفْتَحُ النَّفْسَ لَهُمْ كَيْ يَأْنَسُوا

وَهُمُ فِي دَرْبِهِمْ قَدْ أَغْلَقُوا

كُشِفَتْ طَيَّاتُ قَلْبِيْ لَهُمُ

فِي ثَنَايَاهَا جَمِيعًا عَبَقُ

أُخْرِجَتْ مِن طَبَقِ الصَّدرِ الَّذِي

حَضَنَ الحُبَّ فَنِعْمَ الطَّبَقُ

يَا مُرُوجَ العِشْقِ تُهدِينَ لَنَا

حَنْظَلًا وَالنَّاسُ شَهْدًا لَعِقُوْا

كُنْتُ أَحْيَا فِي دُرُوبِي جَذَلًا

فَدَنَا نَحْوِي غُرَابٌ يَنْعَقُ

مَلَّتِ الأَرْضُ خَيَالِيْ فَرَمَتْ

بِكَيَانٍ أَنْهَكَتْهُ الطُّرُقُ

مُذْ رَحَلْتُمْ وَبَيَانِيْ عَاجِزٌ

وَحُرُوْفِيْ أَنِفَتْ تَنْطَلِقُ

أُطْفِئَتْ شُعْلَتُنَا يَا وَيْحَكُمْ

وَمَضَى الحُزْنُ بِقَلبِيْ يَخْفِقُ

هَا أَنَا أَسْبَحُ فِي قَعْرِ اللَّظَى

وَاللَّظَى مَازَالَ تَحْتِي أَعْمَقُ

آهِ يَا عُذَّالَنَا مَا بَالُهَا

نَبْرَةُ اللَّوْمِ لَنَا تَسْتَبِقُ

أَشَمَاتٌ مِنْ خُطُوْبٍ أَوْهَنَتْ

أَعْظُمِيْ يَضْحَكُ مِنْهَا الأَحمَقُ

أَنَا لَا أَعْرِفُ عَنْ مَكْنُوْنِهِمْ

يَعْلَمُ اللّٰهُ بِمَاذَا نَطَقُوْا

أَهِيَ الدَّارُ شَكَتْ مِنْ صَحْبِهَا

أَمْ هُمُ القَوْمُ سِوَانَا عَشِقُوْا

بَلْ رَمَوْنِي بِسِهَامٍ رَشَقَتْ

مُهْجَةَ الرُّوْحِ لَهَا تَخْتَرِقُ

وَأَنَا أَصْرَخُ أَوَّاهُ عَلَى

رِسْلِكُمْ يَا قَوْمُ مَهْلًا أَرْفِقُوْا

لِيْ زَفِيْرٌ كُلَّمَا أَذْكُرُهُمْ

وَهُمُ فِي أُنْسِهِمْ قْدْ شَهِقُوْا

زَورَقِي مَا عَادَ يَقْوَى سَفَرًا

وَشِرَاعِي عَاثَ فِيْهِ الغَرَقُ

أَنَا لَا أَصْنَعُ جُرْحِي عَامِدًا

بَلْ جِرَاحُ الوَجْدِ بِيْ تَنْفَتِقُ

فَفُؤَادِي نَابِضٌ مِنْ دَمِكُمْ

وَكَذَا الْعُشَّاقُ مِثْلِي خُلِقُوْا

كَمْ ذَوَى حُلْمِيْ سَرَابًا عَابِرًا

فَجَرَى مِنْ مُقْلَتَيَّ الغَدَقُ

أَذْكُرُ الوَجْهَ الَّذِي أَرَّقَنِي

صَالَ عِشْقًا وَجَنَانِي مُوْثَقُ

وَشَعَاعٌ فَاضَ مِنْ مَعْدَنِهِ

سِحْرُ إِبْدَاعٍ حَوَاهُ العُنُقُ

دُرَّةٌ يَكْتَنِزُ الجَفْنُ بِهَا

حَوَرًا أَوْمَضَ مِنْهُ الحَدَقُ

ارْحَمِي أَيَّتُهَا الخُوْدُ فَتًى

شَفَّهُ مِنْ وَجْنَتَيْكَ الأَلَقُ

سُلِبَ الْعُشَّاقُ أرْكَانَ النُّهَى

لَا بَوَاكِي لَهُمُ أَوْ مُشْفِقُ

وَإِذَا جِئْتُ صِحَابِي فَرِحًا

أَزْبَدَ المَكْرُ وَأَرْغَى المَلَقُ

أَنَا لَا أَقْوَى عَلَى هِجْرَانِهِمْ

لَيْسَ مَنْ يَبْكِي كَمَنْ يَحْتَرِقُ

فُرْقَةٌ تَجْتَاحُ أَرْجَاءَ المَدَى

وَعَدُوٌّ حَوْلَنَا مُتَّفِقَ

مُطْبِقٌ يَكْبُو يَرَاعِي شَجَنًا

نَفِدَ الحِبْرُ وَجَفَّ الوَرَقُ

هَا هِيَ العِشْرُوْنَ تَمْضِي كَمَدًا

كُلَّمَا سِرْتُ تَجَلَّى نَفَقُ

كُلُّ مَنْ أَلْقَاهُ يَشْكُو جَزِعًا

كَيْفَ لِيْ يَشْكُوْ وَمَا بِيْ رَمَقُ

كُلَّمَا نُسِّيَ فِكْرِي حُزْنَهُ

عَادَ لِلْتَّوِّ لِبَابِيْ يَطْرُقُ

وَإِذَا أَزْجُرُهُ مِنْ لَوْعَةٍ

جَاءَ نَحْوِي خِلْسَةً يَسْتَرِقُ

لَمْ يَزَل فِي خَاطِرِي أَحْضُنُهُ

وَبَقَايَا يَحْتَوِيْهَا الأُفُقُ

فَلَعَلَّ اللّٰهَ فِيْنَا مُؤْذِنٌ

بِغَدٍ زَاهٍ بِنَا يَنْبَثِقُ

فَلَكَ الحَمْدُ إِلَهِي دَائِمًا

مَا بَدَا الفَجْرُ وَلَاحَ الشَّفَقُ

مطران

العياشي