سلامٌ على بيتِ الإلهِ المعظَّمِ
إذا أشرقتْ فيهِ القلوبُ بتسلمِ
ويا مكةَ البيضاءُ يا قلبَ أمةٍ
تفيضُ على الدنيا بفيضٍ مُعظَّمِ
بكِ البيتُ قد طافَ الورى خشيةً
فصارَ المطافُ الطهرَ في كلِّ موسمِ
تجلى على أركانِكِ النورُ ساطعًا
كأنَّ الهدى فيكِ ابتدأ يتبسّمِ
إذا لبسَ الحاجُّ ثوبَ تجردهِ
تساوى غنيٌّ فيهِ مع كلِّ معدمِ
فلا ملكٌ يُدعى ولا نسبٌ يُرى
سوى خاشعٍ في حضرةِ اللهِ مُحرِمِ
يُلبّي نداءَ الحقِّ في صوتِ خاضعٍ
كأنَّ صدى التوحيدِ في الكونِ مُلهمِ
ويغدو إلى البيتِ العتيقِ مُهلِّلًا
وفي قلبهِ شوقٌ إلى اللهِ أعظمِ
يطوفُ فتسري في الجوانحِ رهبةٌ
كأنَّ ذنوبَ العمرِ تُمحى وتُحطَمِ
ويشربُ من زمزمَ الرجاءَ طهارةً
فتنقلبُ النفسُ الشقيةُ في سلمِ
ويسعى بين الصفا بقلبٍ تضرّعٍ
يُردّدُ في صدرِ الرجاءِ المُعلَّمِ
ويُبصرُ في السعيِ الحياةَ حقيقةً
فما العيشُ إلا صبرُ من ليس يندمِ
فإن جاءَ يومُ الجمعِ في عرفاتِه
رأيتَ دموعَ العابدينَ تترجمِ
هناكَ تُرى الأرواحُ في ذلِّ خاشعٍ
كأنَّ صعيدَ الأرضِ مسجدُ مسلمِ
يُنادون ربًّا لا يُردُّ دعاؤهُ
ويُرجون فضلًا من كريمٍ مُكرَّمِ
فيا ربِّ فاقبلْ جمعَنا في وقوفِنا
فإنّا إلى عفوِ الكريمِ نُقدِّمِ
واغفرْ لعبادٍ أقبلوا من معاصٍ
وقد أثقلوا الأوزارَ فوقَ التراكمِ
ثم انقضى النسكُ الجليلُ مُكلّلًا
بغفرانِ ربٍّ واسعِ الفضلِ أرحمِ
فودّعْتُ مكةَ والدموعُ تفيضُ بي
كأنّي على أبوابِ روحي مُهدَّمِ
ومضيتُ في قلبٍ يجرُّ حنينَهُ
إلى طيبةٍ الغرّاءِ دارِ التكرّمِ
فيا طيبةَ الخضراءِ يا نورَ أحمدٍ
بكِ القلبُ من وجدٍ يحنُّ ويَحلمِ
بكِ الروضةُ الخضراءُ تهفو قلوبُنا
كأنَّ بها ريًّا لروحٍ متيّمِ
هناكَ رسولُ اللهِ أكرمُ مرسلٍ
يُضيءُ لنا دربَ الحياةِ المُظلمِ
إذا ذُكرَ المختارُ حنّتْ جوانحي
وشعَّتْ على القلبِ المظلمِ
فيا قبرَهُ النورانيَّ يا سرَّ هدىً
بكِ الأمنُ في قلبِ الخائفِ المُسلمِ
وكم من سلامٍ يرتقي نحوَ حضرةٍ
يعودُ بهِ القلبُ المرهقُ مُكرَمِ
فيا ربِّ صلِّ على النبيِّ وآلِهِ
صلاةً تُداوي كلَّ قلبٍ متيمِ
وأعدْنا إلى الأوطانِ نورًا ورحمةً
كأنّا خرجنا من صفاءِ التبسّمِ
وجعلْ حجّنا زادًا إلى يومِ حشرِنا
إذا الناسُ قاموا في الحسابِ المُحكَمِ
فهذا دعاءُ القلبِ يرجو قبولَهُ
فيا ربِّ لا تحرمْ عبيدًا مُسلَّمِ