كَأَنَّ فِي مِعْطَفِهَا
شِتَاءً قَدِيمًا
يَبْحَثُ عَنْ طِفْلَتِهِ الضَّائِعَةِ.
أسألُ كَيْفَ
تَتَسَرَّبُ بَعْضُ الْأَرْوَاحِ
إِلَى دَاخِلِنَا
بِهَذِهِ الرَّهَافَةِ الْمُفْتَرِسَةِ؛
دُونَ ضَجِيجٍ،
دُونَ وَعْدٍ،
دُونَ أَنْ تَطْرُقَ الْبَابَ.
فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى
نَظَرَتْ إِلَيَّ
كَمَنْ يَعْثُرُ فِي الزِّحَامِ
عَلَى مَلَامِحِ مَيِّتٍ
كَانَ قَدِ انْتَهَى مِنْهُ بِالْبُكَاءِ.
ثُمَّ مَضَى الْوَقْتُ...
ذَلِكَ الْحَيَوَانُ الْأَسْوَدُ
الَّذِي يَلْعَقُ الْوُجُوهَ بِبُطْءٍ،
وَيَتْرُكُ عَلَيْهَا
طَبَقَةً خَفِيَّةً مِنَ الْغِيَابِ.
وَحِينَ رَأَتْنِي ثَانِيَةً
فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ الْمُعَقَّمِ،
كُنْتُ
مُعَلَّقَةً بَيْنَ طَلْقَةِ رَحِمٍ
وَشَهْقَةِ نَجَاةٍ،
وَكَانَ الْأَلَمُ
يَصْعَدُ فِي عِظَامِي
كَنَايٍ مَكْسُورٍ
يُعَزِّفُهُ مَلَكٌ مُتْعَبٌ.
اقْتَرَبَتْ.
وَكَانَ فِي اقْتِرَابِهَا
حَنَانٌ
يَدًا نَاعِسَةً
تُغَطِّي عُصْفُورًا مُبْتَلًّا
فِي لَيْلَةِ عَاصِفَةٍ.
لَمْ تَلْمِسْنِي كَثِيرًا،
لَكِنَّنِي شَعَرْتُ
بِأَصَابِعِهَا
تَعْرِفُنِي
مِنْ جُرْحٍ آخَرَ،
مِنْ حَيَاةٍ أُخْرَى،
مِنْ خَرَابٍ
سَبَقَ هَذَا الْخَرَابَ.
يَا اللهُ...
كَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْحَنِينُ
أَنْ يَتَنَكَّرَ فِي هَيْئَتِهَا؟
كَيْفَ
لِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ
أَنْ تَفْتَحَ فِي الْجَسَدِ
كُلَّ هَذَا الْمَطَرِ؟!
كَانَتْ تَحْدِقُ بِي
بِعَيْنَيْنِ
مَمْلُوءَتَيْنِ
بِأَعْمَقَ مِنَ الشَّفَقَةِ،
وَأَخْطَرَ مِنَ الْحُبِّ؛
مِثْلَ
ارْتِجَافَةٍ وَ... !
وَأَنَا،
وَسَطَ الطَّلْقِ
وَتَكَسُّرِ الضَّوْءِ فِي رَأْسِي،
أَشْعُرُ
أَنَّ الْكَوْنَ
خَفِيفًا قَلِيلًا،
وَجَعِي
جَلَسَ قُرْبَ نَافِذَةٍ مَفْتُوحَةٍ
وَأَخَذَ يَبْكِي بِهُدُوءٍ.
ثُمَّ انْطَفَأَتِ اللَّحْظَةُ.
بِبَسَاطَةِ حُلْمٍ
اسْتَيْقَظَ...
وَبَقِيَتْ دَاخِلِي،
عِطْرٌ
لَا يَعُودُ إِلَى الزَّهْرَةِ،
وَأُغْنِيَةٌ
كُلَّمَا سَمِعْتُهَا
شَعَرْتُ
أَنَّ قَلْبِي
يَخْلَعُ ضِمَادَاتِهِ الْقَدِيمَةَ
وَيَمْشِي حَافِيًا نَحْوَهَا.