نُدوبٌ مُسْتَكِينَةٌ
في سُلالةٍ غائِمَةِ الجُذورِ،
كانَ اللَّيلُ يَجُرُّ ذاكِرَتَهُ
فَوْقَ أَنْقاضٍ لا تَحْمِلُ
سِوَى بَقايا مَعْنًى
وخَيْطِ نَجاةٍ مَقْطوعٍ.
كانَ صاحِبا الوَلَهِ طِفْلَيْنِ يَتِيمَيْنِ،
يُحاوِلانِ غَسْلَ خَيْبَتِهِما
بِمَطَرٍ يَتَسَرَّبُ مِنْ سَقْفٍ مَكْسورٍ
لا يَعْرِفُ الدِّفْءَ.
قالَ أَحَدُهُما:
قَلْبي، في هٰذا الوَلَهِ، سوسَةٌ
تَأْكُلُ سَنَواتي
وتَتْرُكُني بِحُفْنَةِ صَبْرٍ
وظِلالٍ ثَقيلَةٍ.
ومَضَيَا؛
يُرَمِّمانِ نُدوبَهُما بِكَلِماتٍ قَليلَةٍ،
ويُخْفِيانِ فَشَلَهُما
وراءَ رَزانَةٍ هَشَّةٍ.
كُلَّما اتُّهِما بِالِاخْتِلافِ، ضَحِكا…
فَالْحَقيقَةُ عِنْدَهُما عِيدٌ صَغيرٌ.
تَرَكا البُيوتَ،
وسارا عَلى ضِفَّةٍ يَتَدَلّى فَوْقَها
ياسَمينٌ مُتْعَبٌ.
كانَ أَحَدُهُما يَحْمِلُ صُنْدوقًا
يَضُمُّ آثارَ عَثَراتِهِ
وبَعْضَ عَزاءٍ،
والآخَرُ يَحْتَفِظُ في جَيْبِهِ
بِفُلّوتٍ انْكَسَرَتْ نَغْمَتُهُ
يَوْمَ فُقِدَ أَوَّلُ نورٍ.
سارا وَاثْنَيْنِ مِنَ الغِيابِ،
يَتَعَثَّرانِ بِلَيْلٍ
أَثْقَلَ مِنْ خُطُواتِهِما،
… يُواصِلانِ.
وعِنْدَما كَبُرا،
قادَتِ الأَقْدارُ أَحَدَهُما
إِلى طِفْلَةٍ سَمْراءَ
تَلْعَبُ بِذَرَّةِ نورٍ
وتَرْفَعُ بِساطَتَها
سَقْفَ العالَمِ قَليلًا
لِتَسْقِيَ ذاكِرَتَهُ ماءً نَظيفًا.
هُناكَ فَقَط
شَعَرَ صاحِبا الوَلَهِ
بِأَنَّ العالَمَ
مَرْفَأٌ هَشٌّ،
وخُبْزٌ يَتَفَتَّتُ،
وأَبْوابُ السُّجونِ تُفْتَحُ أَحْيانًا
لِلهارِبينَ مِنَ الكَذِبِ.
اخْتَلَفا…
بِنَزاهَةٍ
ووَعْيٍ لِلْفَقْدِ وَالرَّغْبَةِ.
وقَبْلَ النَّوْمِ،
كانا يَضَعانِ رَأْسَيْهِما
عَلَى العَتَبَةِ نَفْسِها،
ويَقولُ أَحَدُهُما لِلآخَرِ:
سَنَخْرُجُ مِنْ هٰذِهِ السُّلالَةِ،
ومِنْ هٰذِهِ السُّجونِ،
ولَوْ مَشَيْنا
عَلى شَظايا الوَجْدِ حُفاةً.
جاءَ الفَجْرُ،
ونَبَتَ مِنْ بَيْنِ الأَنْقاضِ
دِفْءٌ صَغيرٌ
يَمُرُّ عَلى القَلْبِ
تَذْكيرٌ بِهَمْسِ الحَياةِ.
وظَلّا يَسيرانِ؛
هادِئَيْنِ وَثائِرَيْنِ مَعًا،
لِكُلٍّ مِنْهُما رُعْبٌ مَحْفوظٌ
في جَيْبٍ صَغيرٍ،
ونَهْضَةٌ مُعَلَّقَةٌ
بِزِرِّ قَمِيصٍ،
وعِيدٌ مُخَبَّأٌ
تَحْتَ وَسَنٍ
لَمْ يَخُنْهُ الزَّمَنُ.
كانا يَعْرِفانِ:
هٰذا الخَرابُ كُلُّهُ… سُنْبُلَةٌ.
وهٰذِهِ النَّهْضَةُ… قُدْرَةُ اثْنَيْنِ
عَلى العَيْشِ،
بِرَغْمِ فَشَلِ العالَمِ،
وبِرَغْمِ اتِّهاماتِ الحُمَقى،
وبِرَغْمِ كُلِّ شَيْءٍ…
إلّا الحُبَّ.