جاء الشتاء
والجسدُ المرتابْ
واهٍ في الثيابِ الباليات وفي العذابْ
كأن الذي لَفَّ قلبي
زلزلة الساعة والضباب
وهذا المساء..
باردٌ كَانطِفاء الضياء عند الأصيلْ
يسحبُ الجِلدَ المُدثَّر بالغطاءْ
يَسحبُهُ.. ويَدِّقُ في العينِ الأفولْ
قَلبٌ.. تَلَفَّع بالضباب وبالذبول
عينٌ.. دُقَّ في رؤاها صليب العماء
فكيف أحلمُ وأنىٰ أصيح..
من أين الطريق؟ من أين؟
وكاد الباب يُفتحُ لولا الحصاة
كاد يدخلُ البرد الشحيح
بقايا رياح
يحمل في الوقت الأمل الخجول
يحمل في الأيدي السُقم المرير
ويطوف على الراقدين في البيتِ الصغير
كأن الطفل الذي نام من فرط البكاء
غنّى له البرد الحزين، وشيئًا فشيئًا
أختفى صوت النحيب
ونام الطفل المقمطَ بالدماءْ
وبقيتُ وحدي أصيحُ
يا وحشة البلدِ الكبير
"أنّا متعبون"
مِن تلك العيون الغانيات
من هذا السفر المُعبدَ بالوقوف
ومن كل الوجوه الذابلات
كذِبًا نلعن العمر الحنون
والصدق إنا مُتعبون
كما قال بسامٍ.. فقط متعبون
وجاء الشِتاء
يحتضن الجير المطرز بالرمال
وينسلُ في الأقدام الحافية
فتقفز الذكرى البعيدة للصِبا والبادية
قبل أعوامٍ
لم يكن في أقدامي نعال
كنت طفلًا
في الشارع المغمور بالأمنيات وبالسعال
يأخذنا الوقتُ لا ندري كم مرة صحنا "حلال"
وحين ينفضُّ الصُحاب
حين يغور النهار في كف الغروب
يشتدُ في عظمي بردٌ فظيع
فيكلمني الصُحاب، قد اشتقنا للربيع
متى يجيء
قد مللنا من وجوه عابساتٍ،
يلثمها حزن الدروب
وتصفعنا ريح الجنوب
فخفنا، لا من مرضٍ عميق
بل من أهلنا، قد تأخرنا خارجًا
قد ضعنا في الطريق
بعد أن جاء الشتاء.