أطاع الشّعرُ واهتزَّ الرويُّ
عشيةَ عاد للأَرْز الكميُّ
فتًى هَجَرَ البلاد وما جفاها
مضى كالطير يحمله المضيّ
على كتفيه يحمل ألفَ همٍّ
بلا زادٍ وساقاه المطيّ
وفي عينيه آمالٌ كبارٌ
وفي بُردَيْه عزمٌ سرمديّ
وقالوا قد غوى من بعد رشدٍ
وغادر أهلَه الطفلُ الشقيّ
ولكن الفتى لم يُلقِ سمعًا
كذلك يفعل الرجل الذكيّ
وعاهدَ أن يعود بغار نصرٍ
وفوق أكفّه الثمر الجنيّ
وبات على الطوى يسعى حثيثًا
وكم يبقى على النّبل الرميّ
فمن شَبَعٍ إلى جوعٍ رهيبٍ
وفي كاساته ظمأٌ ورِيّ
وراوده المجيء فقال صبرًا
وإلاّ ما اغترابي والمجيّ
وصابرَ ثم جالدَ في عنادٍ
ومن يصبرْ فبالنّعمى حريّ
وقالوا عنه حين مضى فقيرٌ
وقالوا اليومَ قد عاد الغنيّ
نعم قد عاد كالدّيم الهوامي
تسحّ على الرُّبا ولها دويّ
ينادي أهله ويقول عُدنا
ويا لبنانُ قد رَشِد الغويّ
قطعنا في المهاجر كلَّ دربٍ
يخاف سلوكها الرجلُ الجريّ
وجالَدْنا جِلادَ الأرز نحيا
بعزّتنا وما ذلّ الأبيّ
ركبْنا في المهاجر كلّ هولٍ
وكل مهاجرٍ بطلٌ عتيّ
كأن صخور لبنانٍ ترامتْ
فكلّ مهاجرٍ صخرٌ قويّ
رماحٌ من غصون الأرز هامت
وغصنُ الأرز رمحٌ سمهريّ
وفَوا لشعوب مهجرهم وعادوا
وكلّ فتًى أخو صدقٍ وفيّ
أطلّوا بعد غيبتهم نسورًا
كمثل الطلّ مطلعُه نديّ
وجادوا بالعطاء على ذويهم
إلى أنْ قيل عاد الحاتميّ
تباروا بالتبرُّع والهدايا
وشبل الأرز منبِته سخيّ
بنو لبنان قد ذُرعوا المعالي
وقد ذُعرتْ لجود بنيه طيّ
فتى لبنانَ حيث يكون إنا
لنعرفه فمظهره بهيّ
عليه من سنا لبنانَ نورٌ
فأين مشى فمنظره مُضِيّ
سخيٌّ صادقٌ شهمٌ أبيٌّ
وفيٌّ طاهرٌ ورعٌ تقيّ
وديعٌ مؤمنٌ وأخٌ وليفٌ
عفيفٌ صابرٌ سَمْحٌ حَييّ
فيا لبنانُ قد عادوا إلينا
فهل إلاكَ أنت لهم وليّ
أتحْ لهمُ الهناء بظل أرْزٍ
حبيبٍ ظلُّه ظلٌّ هنيّ
ويا وطني فديتك كيف ترضى
بأن يرقى منابرك العييّ
وينفر عن حماك أخو بيانٍ
ويبعد عن ذراك العبقريّ
بلادي لا عدمتُ ذرا بلادي
ولا جافى رباها الأريحيّ
يُهان بها ابنُها فيشذّ عنها
ويُكرَمُ في حماها الأجنبيّ
أساءت نحو محسنها صنيعًا
وجاء اليومَ يعتذر المسيّ
فيا أهلي بأقصى الأرض عودوا
فما يحميكم البلد القصيّ
هنا لبنانُ ملجأ كلّ حرٍّ
يزيّنه التّصافي والرقيّ
يهيم بحسنه «الحسن بن هاني»
ويهواه «أبو الحسن الرضيّ»
وأنتمْ كالحليّ لكلّ جِيدٍ
وجيدُ الحلو تنقصه الحليّ
ويا رأسَ البلاد أعدْ إلينا
أَحِبَّتَنا وأنت بهم حريّ
وصيُّ الأرزِ أنت لهم وصيٌّ
ويُسأل عن رعيته الوصيّ
بعهدك قد جعلنا الأرز دينًا
ودين الأرز وضّاحٌ جليّ
مبادئه المحبّة والتآخي
وهذا دربُنا دربٌ سويّ
ديانات السّماءِ لها بيانٌ
كوجه الشّمس مِشراقٌ بهيّ
ففي روما دعا البابا إليه
وفي القرآن مبدؤنا هديّ
إلهٌ واحدٌ آمين، دينٌ
يُكرّسه ابنُ مريمَ والنبيّ