في رثاء فيصل الأول ملك العراق
جاؤوا بدمعِ عيونِهم أشعارا
وأتيتُ، من روحي، أذُرُّ نِثارا
يا سيّد الأبطالِ، نحن بحاجةٍ
تكفي استراحةُ أربعين نهارا
ما كان في الحُسبان أنْ شمسُ الضحى
عن مُهْتديها، فجأةً تتوارى
لم أبكِ شخصك، بل بلادًا ناسُها
أمستْ، وقدْ فُتَّ الحياةَ، سُكارى
باتتْ تصوغُ من النهار أمانيًا
وأتى فكان دجى الظلامِ شعارا
وفتًى أعدَّ لك القريضَ تهانئًا
فإذا عويلٌ يسحقُ الأحجارا
لا كان يومُكَ، إن يومَكَ، وحدَه
غالَ الصوابَ وحيَّرَ الأبصارا
حَدَثٌ، كهَوْلِ الحشْرِ، يبعثُ خِيفةً
ويَهيجُ تذكارًا، ويُذكي نارا
أسفًا على مَلْكٍ أهاب بشعبِه
لِمُناه فانقلبَ الصِّغار كِبارا
فليبْكِهِ من كان يأملُ بالبقا
فرأى البقاءَ، وقد أباهُ، صَغارا
ولتبْكه الهيجا بأحمرَ من دمٍ
غطَّى الربا، فإذا الرجالُ حيارى
ولْيبْكه التدبيرُ، ما خطبٌ دَجا
أو خاتِلٌ كرِهَ الوفا فأغارا
وليبْكِهِ الإقدام يومَ بجندِه
خَصْمُ البلاد إلى حماه سارا
و«بميْسلونَ» مقامُ «يوسفَ» لم يزل
من نشْرِه ما يُزكِمُ المِعْطارا
ألقى إليه بما يحاول صنعَه
سرّاً، فقاوم غادِريه، جهارا
ولئن يكن إذ ذاكَ ما نالَ المنى،
فالرّيُّ، حينًا، يستحيل أُوارا
وليبكه العقل الكبير مراعيًا
مجرى السياسة، يُذهل النظّارا
وليبكه عطفُ الشفيق على ابنه
ما ركنُ عطف ذوي الشعور انهارا
وليبكه روح الأنام بأمّةٍ
لم تتّفق من قبله، أدهارا
ولتبكه الأطيارُ قائدَ نهضةٍ
جاب البسيطة، يَمنةً ويسارا
وجد السُّرى للمجد غيرَ ميسَّرٍ
في الأرض، فاخترق السحاب وطارا
فكأن بُسْطَ الريح عاد، وربُّه
أسرى به ليجاهدَ الفجّارا
وليبك بيتُ الله، منه مجاهدًا
لا شكَّ كان كجَدّه مختارا
وليبكه قطرُ العراق، وقد غدت
سكانه، بنشاطه، أحرارا