خُذ نِصفَ عُمرِي أَيُّهَا المهجُورُ
عُمرِي وَعُمرُ الحُزنِ فِيكَ دُهُورُ
أَنَا ذَلِكَ الوَطَنُ الشَّتِيتُ تَقَاسَمَت
أَشلَاءَهُ السَّكِّينُ وَالسَّاطُورُ
وَطَنٌ كَأَورَاقِ الكِتَابِ مُبَعثَرٌ
بَينَ الطُّغَاةِ وَحَرفُهُ مَهجُورُ
أَرثِي لِنَفسِي كُلَّمَا مَرَّ المَدَى
وَأَرَى شَبَابِي فِي الغِيَابِ يَبُورُ
وَأَرَى الخَرِيفَ يَخُطُّ فَوقَ مَلَامِحِي
رُوحاً تُعَذِّبُهَا الرُّؤَى وَتَجُورُ
مَا زَالَ لِي فِي القُدسِ بَعضُ عَقِيدَةٍ
وبِغَزَّةَ العِزِّ المَنِيعِ جُسُورُ
لَكِنَّهَا الحَربُ الضَّرُوسُ تَغَوَّلَت
وَالمَوتُ فِي كُلِّ الفِجَاجِ يَدُورُ
تِلكَ المَدَائِنُ لَم تَعُد مَأهُولَةً
بَكَتِ الشَّوَارِعُ أَهلَهَا وَالدُّورُ
مَطَرُ القَذَائِفِ لَا يَكُفُّ كَأَنَّمَا
غَيمُ السَّمَاءِ بِمَوتِنَا مَأجُورُ
تَبكِي النَّوَافِذُ فِي الحِصَارِ أَنِينَنَا
وَيَئِنُّ فَوقَ رَصِيفِنَا العُصفُورُ
تَمشِي النَّسَاءُ إِلَى الخِيَامِ ذَلِيلةً
وَتَغِيبُ فِي لَيلِ النُّزُوحِ بُدُورُ
يَا أُمِّيَ الثَّكلَى وَبَينِي لُجَّةٌ
مِن أَبحُرِ الهِجرَانِ حِينَ تَفُورُ
لَم تَكحَلِ العَينَانِ يَوماً وَجهَهَا
لَكِنَّهَا بَينَ الجُفُونِ شُعُورُ
يَا أُمُّ قَد طَالَ الغِيَابُ وَبَينَنَا
عَزَّ اللِّقَاءُ وَعُمرُنَا مَهدُورُ
وَأَبِي هُنَاكَ مَعَ القَذَائِفِ صَامِدٌ
بَطَلٌ بِأَرضِ الأَنبِيَاءِ جَسُورُ
يَشتَاقُ لِي وَالقَصفُ يَهدِمُ سَقفَهُ
وَالمَوتُ دُونَ لِقَائِنَا نَاطُورُ
يَا شَوقَ قَلبِي لِلدِّيَارِ وَأَهلَهَا
زَادَ الحَنِينُ وَخَاطِرِي مَكسُورُ
وَمَنِ التِي كَانَت عِشَارَ سَعَادَتِي
مَاتَ الهَوَى فِيهَا وَغَابَ النُّورُ
بَحرَانِ مُلتَصِقَانِ لَكِن بَينَنَا
تَبكِي الحَقِيقَةَ أَعيُنٌ وَصُدُورُ
بَينَ التَّلَاصُقِ وَالتَّمَاسِّ حَقِيقَةٌ
أَنَّ الوِصَالَ لَنَا بها مَحظُورُ
الغُربَةُ السَّودَاءُ تَأكُلُ مُهجَتِي
كَالدُّودِ فِي جَسَدِ القَتِيلِ يَدُورُ
حُزنِي أَنَا حُزنٌ تَأَبَّدَ جُرحُهُ
كَأنَّ كُلَّ الكَونِ فِيهِ قُبُورُ
دَع عَنكَ مَن يَبكِي المَنَازِلَ مَرَّةً
أَنَا مَن بَكَتهُ مَنَازِلٌ وَعُصُورُ
نَخلُ البِلَادِ وَإِن تَمَادَى قَطعُهُ
تَبقَى لَهُ تَحتَ الترابِ جُذُورُ
نَمضِي كَمَاءِ النَّهرِ يَطلُبُ بَحرَهُ
لَكِن عَلَى مَجرَى المِيَاهِ صُخُورُ
إِنِّي وَإِن كَثُرَت هُمُومِيَ جَلدُهَا
حُرٌّ عَلَى ظُلمِ الحَيَاةِ صَبُورُ
فَالحُزنُ لَيسَ دُمُوعَ عَينِ نَازِلٍ
الحُزنُ صَرخَةُ صَامِتٍ مَأسُورُ
دَع عَنكَ مَن خَافَ مَنُونَ فَإِنَّنَا
بِثَبَاتِنَا فَوقَ الطُّغَاةِ نَثُورُ
فَإِذَا رَأَيتَ الموتَ يَحصُدُ أُمَّتِي
فَالنَّصرُ آتٍ وَالظَّلَامُ دُحُورُ
مَا مَاتَ مَن عَشِقَ الدِّيَارَ وَإِنَّمَا
فِي مَوتِهِ نَحوَ الخُلُودِ عُبُورُ
سَيَزُولُ هَذَا اللَّيلُ عَن أَوطَانِنَا
وَيَعُودُ لِلأَرضِ السَّلِيبَةِ نُورُ
وَطَنٌ يُعَمَّدُ بِالشَّهَادَةِ تُربَهُ
فِيهِ الدِمَاءُ الزَّاكِيَاتُ بُحُورُ
قُل لِلمُلُوكِ وَإِن تَعَاظَمَ مُلكُهُم
هِيَ أَرضُنَا وَكِيَانُهُم سَتَغُورُ
تَمضِي مُلُوكٌ تَنتَهِي أَعمَارُهَا
وَالأَرضُ تَبقَى وَالزَّمَانُ يَدُورُ