لصوتِ أمي ٱلذي كلّتْ سنابلُهُ
لمّا التَوَتْ فيهِ أعوادُ الرياحينِ
همسٌ كما الناي صاحتْ كفُّ عازفِهِ
أيُسكتُ النايَ إيقاعُ السكاكينِ
هذي الدلالُ جَفَتْ تيجانَ عِزّتها
كمْ يسرقُ البنُّ أحلامَ الفناجينِ!!
وكمْ حَملْنا ليالينا بِلا كللٍ
كي نغرفَ النورَ من فجرِ الدكاكينِ
حيثُ العصافيرُ تستقصيْ مشاعلنا
وتنتقيْ قُبلةً مِن خدِّ تشرينِ
حيثُ الشبابيكُ يا أماه نامَ بها
ضوءُ المصابيحِ مذْ هَدهدتِ نسريني
يا كلما عَطشَ النسرين كنت لهُ
نهراً.. فأظمأُ عمداً كي تروِّيني
لينبضَ الوردُ في شبّاك حُجرتنا
لَوْ كَسّرَ الطينُ أضلاعَ السنادينِ
يا كلما وَشْوَشَ الأيتامُ أغنيةً
حَجّتْ لحِجركِ أجيالٌ من التينِ
وٱسْتَنشقتْ مِنْ رُبى كفَّيكِ أدعيةً
يَقتاتُ مِنْ خُبزِها تَمْرُ القرابينِ
وصوتُكِ الآنَ كٱلنّاياتِ أسْمَعُهُ
قدْ مَلَّ قمحيْ.. وما ملّتْ طواحيني
هذيْ ٱلحكايةُ يا أمّاهُ تُوْرِثني
حُزنَ المسافةِ إنْ مَلَّ الخُطى طيني
يا دجلة الخير.. يا أماهُ هلْ عَلِمتْ
أحبال صمتكِ أنَّ الصمت يؤذيني؟
أضاعَ صوتُكِ يا أماهُ أمْ خنقتْ
كَفُّ الحكايةِ أزهارَ المساكين؟
بغدادُ قَبلَكِ قدْ كلّتْ حناجِرُها
وأخرسَ الظلمُ أصواتَ الملايينِ
فمن سينحتً صوت الماء في بلدي
لو أُشغِلَ الماء عن شكوى البساتينِ
ساحتْ على لهبِ الألواحِ أحرفُنا
وٱسْتفحلَتْ فيهِ آياتُ الفراعينِ
يا أختَ هارونَ هُزَّ الجذعُ فٱرتحلي
رُدِّيْ بِلا رُطَبٍ.. يا أختَ هارونِ
عادَ المغولُ.. وبابُ البيتِ مِنْ وَرَقٍ
فَمَنْ سَيَمنعُ طغيانَ البراكينِ!!
ومَنْ سَيَحرسُ عِرْضَ البيتِ إنْ نُزِعَتْ
أسْرارُ عِفَّتِهِ قَبْلَ الفَساتينِ