قِفْ فِي رِحَابِ الشَّامِ وَاخْشَعْ، وَارْتَلْ
إِنَّ الشَّآمَ بِكُلِّ حُسْنٍ تَجْمُلْ
هِيَ جَنَّةُ اللهِ الَّتِي فِي سِحْرِهَا
نُورُ اليَقِينِ عَلَى المَدَى يَتَنَزَّلْ
يَا حَادِيَ الأَشْوَاقِ أَنْزِلْ رَحْلَنَا
فَبِغَيْرِ هَذَا الطُّهْرِ لَا نَسْتَقْبِلْ
يا شامُ، مِنْكِ البدءُ حينَ تكلَّموا
فجرُ الحضارةِ في رُباكِ يُرَتَّلْ
مِنْ طينِكِ الأوّلِ اسْتَوى كُلُّ الوَرى
وَبِكِ اللُّغاتُ لِحُسنِها تَتَجَمَّلّْ
لولاكِ ما عُرِفَ الجَمالُ بِعالَمٍ
أو كانَ حَرْفٌ في المَدايِنِ يُصْقَلّْ
خُلِقَ الأنامُ ومِن جَمالِكِ صِيغَةٌ
تَهدي العُقولَ ولِلحَقائِقِ تَفْصِلّْ
أنتِ الكتابُ إذا الزمانُ تكسَّرتْ
صفحاتُهُ، والذكرُ فيكِ يُفَصَّلْ
أنتِ القصيدةُ والبحورُ تضيقُ عن
كِ، وعِلمُ ضبطِ فُعولِها لا يَكْمُلْ
فِي الشَّامِ كَانَ الحُبُّ نَبْعَ قَداسَةٍ
وَالمَجْدُ في أَرْحامِها قَدْ أُصِّلّْ
إنَّ الشآمَ إذا الزمانُ أشادَها
خَرَّ البيانُ لِمَجدِها يَتَبَتَّلْ
شمسُ الشآمِ إذا الزمانُ أشادَها
خَرَّ البيانُ لِعِزِّها يَتَذَلَّلْ
فِي وَصْفِها عَجَزَ القَرِيضُ وَرُبَّما
أَمْسَى الخَيالُ بِسِحْرِها يَتَمَلْمَلْ
نَادَيْتُ طَيْفَكِ فِي المَنامِ فَأَقْبَلَتْ
سُحُبُ الحَنِينِ عَلى فُؤادِي تَهْطِلْ
يَا دُرَّةً بَيْنَ النِّساءِ فَرِيدَةً
فِيكِ الجَمالُ عَنِ المَحاسِنِ يُفْصِلْ
مَا جِئْتُ أَبْغِي فِي غَرامِكِ رِحْلَةً
بَلْ جِئْتُ قَلْبَكِ كَي أَظَلَّ وَأَنْزِلْ
لَوْ تَعْلَمِينَ بِمَا أُسِرُّ مِنَ الهَوَى
لَرَأَيْتِ كُلَّ الكَوْنِ فِيكِ يُجَلَّلْ
عَيْنَاكِ بَحْرٌ لَا حُدُودَ لِمَوْجِهِ
وَأَنَا الغَرِيقُ وَفِي مَدَاكِ أُكَبَّلْ
مَن ذا يُطاولُ في الشآمِ مَقامَها
والسيفُ في ساحاتِها لا يُعْذَلْ
طابَ الحديثُ عنِ الشآمِ وأهلِها
فالذِّكرُ في طِيبِ الرُّبى يَتَسَلْسَلْ
وحلبُ إن سَلَّتْ سُيوفَ جَلالِها
لَبَّى الزمانُ لِمَجْدِها وَتَهَلَّلْ
شَهباءُ يا أرضَ الإباءِ وموطناً
للمَجدِ في صَفَحاتِهِ يُتَأَمَّلْ
وَحَلَبْ إِذَا نَادَتْ بِسَيْفٍ صَارِمٍ
لَبَّى لَها العِزُّ الأَصِيلُ وَأَقْبَلْ
تِلْكَ الدِّيارُ وَإِنْ تَنَاءَتْ أَرْضُهَا
فِيهَا فُؤَادِي عَالِقٌ لَا يَرْحَلْ
مَا زَالَ طَيْفُكِ فِي حَلَبْ يَمْشِي مَعِي
وَشَذَاكِ فِي شُهُبِ المَنَارَةِ يُنْسَلْ
يَا رَبَّةَ الحُسْنِ المُصَفَّى مَنْ رَأَى
وَجْهاً كَوَجْهِكِ فِي البَهَاءِ يُكَلَّلْ؟
رُدِّي عَلَيَّ النَّبْضَ إِنِّي مُتْعَبٌ
فَالشَّوْقُ فِي لُغَةِ العُيُونِ مُفَصَّلْ
أَسْرَرْتُ لِلفِنْجَانِ سِحْرَ حِكَايَتِي
فَبَكَى عَلَى شَفَتِي وَكادَ يُوَلْوِلْ
هِيَ ذِي حَيَاتِي فِي هَوَاكِ رَهِينَةٌ
تَرْجُو الخَلَاصَ وَفِي يَدَيْكِ تُبَسَّلْ
تَدْمُرُ مَا انْحَنَتْ وَالرِّيحُ تَعْرِفُ بَأْسَهَا
صَخْرٌ بِوَجْهِ الذِّلِّ لَا يَتَزَلْزَلْ
عَرشُ الزَّبابةِ لَم يَزَل في عِزِّهِ
والدَّهرُ خَلْفَ سِياجِها يَتَضاؤَلْ
قامَت كَطَوْدٍ في الرِّمالِ شُمُوخُها
والقَيْدُ في أقدامِها يَتَآكَلْ
يا سارَةَ القَلْبِ الَّذي في تَدْمُرٍ
أَضحَى بِحُبِّكِ هائِماً يَتَساءَلْ
مَا بَيْنَ تَدْمُرَ وَالحَنِينِ مَسَافَةٌ
فِيهَا غَرَامُكِ فِي الحَشَا يَتَغَلْغَلْ
جَمَعَتْ صِفَاتُكِ كُلَّ مَجْدٍ غَابِرٍ
فَكَأَنَّ حُسْنَكِ بِالحَضَارَةِ يُصْقَلْ
فَإِذَا نَظَرْتِ، فَمَوجُ بَحْرٍ هَادِئٌ
وَإِذَا نَطَقْتِ، فَمَنْطِقٌ لا يُعْذَلْ
تِيهِي دَلَالاً يَا ابْنَةَ العِزِّ الَّتِي
بَاتَ الزَّمَانُ بِسِحْرِهَا يَتَغَزَّلْ
قَلْبِي يَرَاكِ كَمَا الشَّآمُ عَزِيزَةً
وَلِغَيْرِ طَيْفِكِ قَطُّ لَا يَتَنَفَّلْ
يَا رَوْضَةً غَنَّاءَ فَاحَ عَبِيرُهَا
هَلْ لِي بِقُرْبِكِ مَنْزِلٌ لَا يُبْدَلْ؟
وَالفُرَاتُ حِينَ مَرَرْتِ فَوْقَ ضِفَافِهِ
نَسِيَ الجَفَافُ طَرِيقَهُ وَتَجَمَّلْ
جَرَتِ المِياهُ عَلى يَدَيْكِ تَبَرُّكاً
فَغَدَا القَفَارُ بِجُودِهَا يَتَكَلَّلْ
هِيَ رِحلَةُ العُمُرِ التي في حُسنِها
عَاشَ الفُؤادُ وفي مَدَاكِ يُؤَمَّلْ
مَا كُلُّ مَن ذَاقَ الهَوَى بِمُتَيَّمٍ
إِلّا الَّذي في رَوْضِ قَلْبِكِ يَنْزَلْ
دَيْرُ الزُّهورِ عَلَى الفُرَاتِ حَزِينَةٌ
تَرْجُو لِقَاكِ وَفِي هَوَاكِ تُعَلَّلْ
فَإِذَا ابتَسَمْتِ، رَأَيْتُ نَهْرَاً ضَاحِكاً
يَسْقِي القُلُوبَ وَفِي الشَّغَافِ يُغَلَّلْ
يَا غَادَةً كُلُّ القَصَائِدِ دُونَها
أَمْسَى لِسَانِي فِي مَدِيحِكِ يَعْطَلْ
سِيرِي فَمَا وَطِئَتْ خُطَاكِ مَفَازَةً
إِلَّا وَصَارَ صَعِيدُهَا يَتَبَدَّلْ
قَدْ صِغْتُ حُبَّكِ فِي الدِّمَاءِ عَقِيدَةً
لا الدَّهْرُ يَمْحُوهَا وَلا تَتَحَلَّلْ
فَأَنَا المُسَافِرُ فِي مَدَاكِ صَبَابَةً
مَهْمَا طَالَ بِيَ المَسِيرُ سَأُقْبِلْ
فِيكِ الشُّعُوبُ إِذَا تَنَفَّسَ صَدْرُهَا
بَاتَ الصُّمُودُ بِعِزِّهَا يَتَسَرْبَلْ
أَنْتِ العَقِيدَةُ فِي الثَّبَاتِ وَإِنَّمَا
بِخُلُودِ صَبْرِكِ كُلُّ صَعْبٍ يُذْلَلْ
مَهْمَا تَمَادَى الظُّلْمُ فِي سَطَوَاتِهِ
فَبِنُورِ وَجْهِكِ لَيْلُنَا يَتَرَحَّلْ
يَا مَن لَهَا فِي كُلِّ قَلْبٍ مَنْزِلٌ
وَبِغَيْرِ حُبِّكِ نَبْضُنَا لا يُصْقَلْ
يَا بَحْرُ قُلْ لِي هَلْ رَأَيْتَ جَمَالَهَا؟
أَمْ أَنَّ مِلْحَكَ مِنْ لَمَاهَا يُغْسَلْ؟
رَمْلُ الشَّواطِئِ قَدْ تَمَنَّى لَمْسَةً
مِنْ خَطْوِكِ المَمْشُوقِ إِذْ يَتَمَهَّلْ
فَإِذَا السَّفائِنُ فِي المَدَى أَبْحَرْنَ بِي
كَانَتْ عُيُونُكِ مَرْفَئِي الأَجْمَلْ
إِنِّي وَهَبْتُكِ يَا ابْنَةَ الشَّامِ المَدَى
وَبَقِيَّةَ العُمُرِ الَّذِي لَا يُبْخَلْ
فَاسْلَمْ فُؤَادِي فِي حِمَاكِ مُخَلَّداً
فَأَنَا بِحُبِّكِ غَايَتِي كَمْ تَنْبَلْ
شَعْبٌ إِذَا اشتَدَّ الظَّلامُ بِوَجْهِهِ
شَقَّ الدُّجَى وَبِنُورِهِ يَتَسَرْبَلْ
نَسَلَ الضِّياءَ مِنَ الظَّلامِ بِعَزْمِهِ
فَغَدَا عَلى أُفُقِ المَدَى يَتَرَسَّلْ
هِيَ قِصَّةُ المَجْدِ التِي بِثَبَاتِها
أَمْسَى الزَّمانُ لِصِدْقِها يَتَمَثَّلْ
يا سارَةَ الأَمَلِ الَّذي في لَيْلِنا
يَهدي القُلُوبَ وَبِالسَّنَا يَتَكَلَّلْ
مَا هُدِّمَتْ فِينَا العَزِيمَةُ مَرَّةً
بَلْ جَدَّ فِينَا البَأْسُ إِذْ نَتَحَمَّلْ
نَبْنِي مِنَ الآلامِ صَرْحاً شَامِخاً
وَبِصَبْرِنَا نَحْوَ المَعَالِي نَنْزِلْ
يَا سَارَةَ الأَمَلِ المُضِيءِ بِرُوحِنَا
لَوْلَاكِ مَا كَانَ الرَّجَاءُ يُسَلْسَلْ
إِنَّا نُسَاقِي الدَّهْرَ كَأْسَ ثَبَاتِنَا
حَتَّى يَرَى أَنَّ الصُّعُوبَةَ تُخْذَلْ
فَالفَجْرُ آتٍ لَا مَحَالَةَ بَعْدَمَا
ذَاقَ الظَّلامُ هَزِيمَةً لَا تُرْحَلْ
نَمْضِي وَنُورُ اللهِ يَهْدِي خَطْوَنَا
وَعَلَى هُدَاهُ فُؤَادُنَا يَتَوَكَّلْ
مَا لَانَ، مَا بَاعَ الجَبِينَ، وَلَا انْثَنَى
حَتَّى اسْتَعَادَ مَنَارَهُ وَتَفَضَّلْ
وَهَبَ الدِّمَاءَ لِكَيْ يَعِزَّ تُرَابُهُ
فَغَدَا الشُّمُوخُ بِجِيدِهِ يَتَسَلْسَلْ
مَنْ كَانَ يَعْشَقُ فِي الشَّآمِ كَرَامَةً
فَلِغَيْرِ طُهْرِ نِضَالِها لا يَنْهَلْ
يَا مَنْ لَهَا عِزُّ الجِباهِ مُسَبَّحٌ
حُبُّ الدِّيَارِ بِقَلْبِكِ يَتَأَصَّلْ
صَانَ العُهُودَ وَمَا اسْتَكَانَ لِظَالِمٍ
بَلْ ظَلَّ فَوْقَ نُجُومِها يَتَغَلْغَلْ
يَمْشِي عَلَى جَمْرِ المَكَارِهِ بَاسِماً
وَبِغَيْرِ نَصْرِ اللهِ لَا يَتَعَلَّلْ
يَا حُرَّةً نَسَجَ الزَّمَانُ فِخَارَهَا
مَجْدُ الجُدُودِ عَلَى يَدَيْكِ يُرَتَّلْ
فِي كُلِّ شِبْرٍ مِنْ ثَرَاكِ مَلَاحِمٌ
عَنْهَا لِسَانُ الدَّهْرِ لَا يَتَحَوَّلْ
إِنَّ الكَرَامَةَ مَنْبَتٌ فِي رُوحِنَا
لَا تَسْتَكِينُ وَلَا لِغَيْرِكِ تَنْزِلْ
فَاسْلَمْ جَبِينُ العِزِّ فِي عَلْيَائِهِ
طَوْداً عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ يُبَجَّلْ
يَا مَوْطِنَ الأَنْبَاءِ يَا نَبْضَ السَّمَا
يَا آيَةً فِي حُسْنِهَا نَتَأَمَّلْ
أَرِحِ الرِّكَابَ فَفِي ثَرَاكَ قَدَاسَةٌ
وَبِغَيْرِ نُورِكَ كُلُّ ضَوْءٍ يَنْصَلْ
أَنْتَ المَلَاذُ لِكُلِّ نَبْضٍ حَائِر
وَإِلَيْكَ كُلُّ حِكَايَةٍ تَتَسَلْسَلْ
صَلَّى الجَمَالُ عَلَى رُبَاكَ وَخَافِقِي
فِي حُبِّ سارَةَ بِالوَفَاءِ يُسَرْبَلْ
يَا قِبْلَةَ الأَرْوَاحِ فِي مَلَكُوتِهَا
نُورُ النُّبُوَّةِ فِي رُبَاكِ يُرَتَّلْ
فِي كُلِّ حَرْفٍ مِنْ نِدَاكِ بَشَارَةٌ
وَبِكُلِّ سَاحٍ مِنْ سَنَاكِ نُهَلِّلْ
يَا شَامُ يَا سِرَّ الوُجُودِ وَطُهْرَهُ
مَهْمَا نَأَيْنَا، نَحْوَ حُضْنِكِ نُرْحَلْ
سُبْحَانَ مَنْ أَهْدَاكِ حُسْناً بَاذِخاً
فِيهِ العُيُونُ عَنِ البَرِيَّةِ تُذْهَلْ
فِي قَلْبِ سَارَةَ قَدْ نَقَشْتُ هُوِيَّتِي
وَبِحُبِّهَا قَدَرِي الأَعَزُّ يُكَمَّلْ
هِيَ جَنَّتِي الدُّنْيَا وَمَوْطِنُ صَبْوَتِي
وَعَلَى مَدَارِجِ خَطْوِهَا أَتَنَفَّلْ
فِيكِ المَسِيحُ أَضَاءَ، وَالإِسْلَامُ قَدْ
أَرْسَى التَّوَحُّدَ لِلإِلَهِ، فَأَجْمِلْ
أَرْضٌ تَعَانَقَ فِيهِ طُهْرُ عَقِيدَةٍ
وَبِهَا كِتَابُ اللهِ أَمْسَى يُنْزَلْ
مَهْدُ النُّبُوَّةِ وَالهُدَى فِي جِيدِهَا
عِقْدٌ مِنَ الأَنْوَارِ لَا يَتَحَلَّلْ
يَا شَامُ يَا آيَ السَّمَاءِ لِخَلْقِهِ
فِيكِ اليَقِينُ لِكُلِّ قَلْبٍ مِشْعَلْ
تَعِبَتْ خُطَى التَّارِيخِ عِنْدَ رِحَابِهَا
وَظَلَّ مَجْدُكِ يَا شَامُ يُبَسْمِلْ
يَا رَوْضَةَ الأَدْيَانِ يَا سِرَّ المَدَى
فِيكِ الدُّعَاءُ إِلَى السَّمَاءِ يُرَتَّلْ
فَإِذَا صَلَاةُ النُّورِ حَلَّ أَوَانُهَا
رَأَيْتُ وَجْهَكِ فِي المَحَارِيبِ يَنْزَلْ
سَارَةُ.. يَا طُهْرَ الصَّلَاةِ بِخَافِقِي
بِكِ كُلُّ نَبْضٍ فِي الحَشَا يَتَبَتَّلْ
مَا كُنْتِ نِصْفاً فِي الحَيَاةِ لِمُهْجَتِي
بَلْ كُنْتِ كُلَّ الكَوْنِ إِذْ يَتَشَكَّلْ
فَاسْلَمْ وِئَامُ الحُبِّ بَيْنَ جَوَانِحِي
طِفْلاً بِمَهْدِ صَبَابَتِي يَتَدَلَّلْ
أَمَّا الغَزَلْ، فَإِذَا ذَكَرْتُكِ مَرَّةً
خَجِلَ الغَزَالُ وَفِي رِحَابِكِ يُهْمَلْ
كُلُّ القَصَائِدِ فِي مَدِيحِكِ قَصَّرَتْ
وَبِحُسْنِ وَجْهِكِ شِعْرُنَا يَتَنَصَّلْ
تِيهِي عَلَى كُلِّ البِلَادِ فَإِنَّمَا
بِهَوَاكِ عَقْدُ اليَاسَمِينِ يُفَصَّلْ
مَا كُلُّ مَنْ نَظَمَ البُحُورَ بِشَاعِرٍ
إِلَّا إِذَا فِي بَحْرِ جُودِكِ يَنْهَلْ
فَإِذَا نَظَمْتُ الشِّعْرَ فِيكِ حَبِيبَتِي
أَلْفَيْتُ نَظْمِي فِي حِمَاكِ يُغَفَّلْ
خَجِلَ الغَزَالُ مِنَ العُيُونِ وَسِحْرِهَا
وَأَعَادَ كُلَّ جَمَالِهِ يَتَنَخَّلْ
يَا سَارَةَ الكَلِمَاتِ حَسْبُكِ رِفْعَةً
أَنَّ المَدِيحَ لِغَيْرِكِ لَا يُنْقَلْ
صَاغَ الزَّمَانُ مِنَ البلادِ قَصِيدَةً
وَجَعَلْتِ أَنْتِ لَهَا الخِتَامَ الأَجْمَلْ
فَاسْلَمْ حُرُوفِي فِي هَوَاكِ رَهِينَةً
لَا تَرْتَجِي عَنْ هَذَا الحِمَى تَتَحَلَّلْ
أَنْتِ الحَبِيبَةُ، لَا يَشِيخُ جَمَالُهَا
بَلْ كُلُّ مَنْ يَرْنُو إِلَيْكِ يُهَلِّلْ
مَهْمَا تَمَادَى الدَّهْرُ فِي سَنَوَاتِهِ
فَبِوَجْهِكِ الوَضَّاءِ حُسْنٌ يُنْهَلْ
تَبْقَيْنُ مِثْلَ الشَّامِ، طُهْرَ بَدَاءَةٍ
لَا يَعْتَرِيكِ الذَّبْلُ، بَلْ تَتَأَصَّلْ
كُلُّ الجَمَالِ إِذَا تَقَادَمَ يَنْطَفِي
إِلَّا ضِيَاكِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْفَلْ
مَرَّ الزَّمَانُ عَلَى الوُجُوهِ وَبَدَّلَا
وَجَمَالُ وَجْهِكِ ثَابِتٌ لَا يُبْدَلْ
يَا دُرَّةً فَوْقَ الزَّمَانِ عَرِيقةً
تَبْقَيْنِ نُوراً فِي المَدَى يَتَسَلْسَلْ
لَا الشَّيْبُ يَدْنُو مِنْ سَنَاكِ وَلَا الرَّدَى
فَالحُسْنُ فِيكِ بِالخُلُودِ مُسَرْبَلْ
فَإِذَا رَمَقْتِ الكَوْنَ كَانَ بَهَاؤُهُ
مِنْ نَبْعِ طُهْرِكِ جِيلُهُ يَتَنَسَّلْ
صَانَ الإِلَهُ عُيُونَكِ السَّوْدَاءَ مِنْ
كَيْدِ الحَسُودِ، وَمِنْ بَلَاءٍ يُنْزَلْ
فَأَنَا الغَرِيقُ بِبَحْرِ حُسْنِكِ دَائِماً
وَإِلَى نَجَاتِي قَطُّ لَا أَتَعَجَّلْ
مَنْ قَالَ إِنَّ النَّارَ تَحْرِقُ وَرْدَهَا؟
النَّارُ فِي كَفَّيْكِ بَرْدٌ يُنْزَلْ
وَرْدُ الجِمَالِ بِكُلِّ عَصْفٍ ثَابِتٌ
وَبِغَيْرِ طُهْرِ يَدَيْكِ لَا يَتَشَكَّلْ
عَجَبِي لِمَنْ رَامَ اشْتِعَالاً فِي الحَشَا
وَبِرِيقِ ثَغْرِكِ لَهِيبُهُ يَتَعَطَّلْ
أَنْتِ السَّلَامُ لِكُلِّ حَرْبٍ أُضْرِمَتْ
وَبِكِ المَوَاجِعُ كُلُّهَا تَتَحَلَّلْ
سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّهِيبَ بِرَاحَةٍ
بَرْداً سَلَاماً فِي يَدَيْكِ يُرَتَّلْ
فَإِذَا لَمَسْتِ الشَّوْكَ أَوْرَقَ فِتْنَةً
وَغَدَا بِعِطْرِكِ ضَائِعاً يَتَغَسَّلْ
عَجِبَ الزَّمَانُ لِوَرْدَةٍ لَا تَنْطَفِي
مَهْمَا لَظَى هَذَا الزَّمَانِ يُهَوِّلْ
يَا سَارَةَ الطُّهْرِ الَّتِي فِي كَفِّهَا
لَانَ الحَدِيدُ وَبِالوَدَادِ يُفَصَّلْ
أَنْتِ الَّتِي صَارَ السَّرَابُ بِقُرْبِهَا
نَهْراً نَمِيراً لِلظِّمَاءِ يُعَجَّلْ
فَاسْتَبْشِرِي يَا نَفْسُ إِنَّ غَرَامَهَا
حِصْنٌ حَصِينٌ لِلْفُؤَادِ وَمَعْقِلْ
إِنْ قَامَ حِقْدُ الأَرْضِ فِي أَوْطَانِنَا
قَامَتْ سُوريَّا لِلأَعَادِي تُثْكِلْ
مَهْمَا تَدَاعَى البَغْيُ كَسَّرَ نَصْلَهُ
صَخْرُ الشَّآمِ، وَبِالرَّدَى لَا يَبْخَلْ
أَرْضٌ عَصِيَّةُ مَنْ رَآهَا سَاحَةً
لِلظُّلْمِ خَابَ، وَبِالهَزِيمَةِ يُثْقَلْ
يَا سَارَةَ العِزِّ الَّتِي فِي رُوحِهَا
تَحْيَا بِلَادِي، وَالظَّلَامُ سَيُرْحَلْ
هِيَ شَامُنا، مَهْمَا تَكَالَبَ حَاقِدٌ
تَبْقَى عَلَى هَامِ الزَّمَانِ تُجَلَّلْ
لَا يَنْحَنِي جِيدُ الأُبَاةِ لِغَاصِبٍ
كَلَّا، وَلَا صَوْتُ العَدَالَةِ يُعْقَلْ
فِي كُلِّ سَاحٍ لِلْبُطُولَةِ رَايَةٌ
وَبِكُلِّ شِبْرٍ لِلْفَخَارِ نُسَجِّلْ
سَارَةُ.. يَا رُوحَ البِلَادِ وَنَبْضَهَا
بِصُمُودِ حُبِّكِ كُلُّ بَغْيٍ يُقْتَلْ
مَا جَفَّ نَبْعُ العِزِّ فِي أَعْمَاقِنَا
بَلْ صَارَ فِي كُلِّ القُلُوبِ يُنَقَّلْ
فَاسْلَمْ وِئَامُ الأَرْضِ فِي عَلْيَائِهِ
حِصْناً عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ يُبَسْمَلْ
تَبْقَى سُوريَّا، مَا بَقِي الحَرْفُ الَّذِي
خَطَّ الخُلُودَ، وَبِالفَخَارِ سَيُرْفَلْ
عَهْدُ الخُلُودِ عَلَى رُبَاكِ مُوَثَّقٌ
وَبِحُبِّ سارَةَ نَبْضُنَا يَتَسَرْبَلْ
هِيَ جَنَّةٌ لَا يَنْتَهِي تَرْتِيلُهَا
وَبِكُلِّ مِئْذَنَةٍ هُدَاكِ سَيُنْزَلْ
فَاسْلَمْ حِمَى المَجْدِ الَّذِي فِي أُفْقِهِ
عِزُّ الأَصَالَةِ لَا يُضَامُ وَيُخْذَلْ
حَرْفٌ مِنَ النُّورِ المُبِينِ سَطَرْتُهُ
فِي لَوْحِ دَهْرٍ بِالفَخَارِ يُهَلَّلْ
يَا شَامُ يَا وَطَنَ الحُرُوفِ وَأَصْلَهَا
فِيكِ البَيَانُ عَلَى المَدَى يَتَأَثَّلْ
مَا جَفَّ حِبْرُ المَجْدِ فَوْقَ تُرَابِنَا
بَلْ صَارَ نَهْراً لِلْعُلَا يَتَسَلْسَلْ
سَارَةُ.. يَا مَعْنَى الخُلُودِ وَسِرَّهُ
حُبِّي لَكِ المِيثَاقُ لَا يَتَبَدَّلْ
أَنْتِ القَصِيدَةُ وَالبِلَادُ حُرُوفُهَا
وَعَلَى شِفَاهِ العِزِّ لَحْنُكِ يُثْمَلْ
فَاسْمُكِ يَا وَطَنِي بِكُلِّ مَحَافِلِي
تَاجٌ عَلَى رَأْسِ القَوَافِي يُجْعَلْ
وَتَظَلُّ فَوْقَ جِرَاحِهَا مُتَوَجَّهً
عِزّاً، وَتَارِيخُ المَكَارِمِ يُصْقَلْ
جُرْحُ البِلَادِ عَلَى المَدَى مَحْضُ السَّنَا
وَبِصَبْرِهَا عَرِشُ المَعَالي يُنْثَلْ
مَا نَالَتِ النَّكَبَاتُ مِنْ كِبْرِيَائِهَا
بَلْ زَادَهَا شَرَفاً لِكَيْ تَتَمَلْمَلْ
سَارَةُ.. يَا مَنْ لِلْجِرَاحِ طَبِيبَةٌ
بِوِئَامِ حُبِّكِ كُلُّ كَرْبٍ يُغْفَلْ
تَاجُ الإِبَاءِ عَلَى جَبِينِكِ لَمْ يَزَلْ
نُوراً بِأَسْدَافِ الدُّجَى يَتَغَلْغَلْ
مَا هَدَّهَا أَلَمُ السِّنينِ وَإِنَّمَا
جَعَلَتْ مِنَ الأَوْجَاعِ مَجْداً يُؤْثَلْ
يَا شَامُ يَا عِزَّ الزَّمَانِ وَفَخْرَهُ
فِيكِ العَظَامَةُ حَوْلَ عَرْشِكِ تَرْفُلْ
سَارَةُ.. يَا مَنْ لِلصُّمُودِ مَنَارَةٌ
بِكِ كُلُّ نَصْرٍ فِي المَدَى يَتَهَلَّلْ
مَهْمَا بَغَى البَاغِي وَشَطَّ بِغَيِّهِ
فَأَمَامَ أَعْتَابِ الصُّمُودِ سَيُجْهَلْ
تَبْقَيْنَ فَوْقَ الكَوْنِ رَمْزَ كَرَامَةٍ
وَبِطُهْرِ ثَوْبِكِ كُلُّ خِزْيٍ يُغْسَلْ
وَمَعَ الصَّبَاحِ، وَفِي مَرَاشِفِ قَهْوَةٍ
طَعْمُ الحَيَاةِ بِقُرْبِ سارةَ يُعْسَلْ
رُوحُ الشَّآمِ بِنَبْضِهَا قَدْ أُودِعَتْ
وَبِحُبِّهَا عَقْدُ الهَوَى يُتَقَبَّلْ
فَاسْلَمْ وِئَامُ الأَرْضِ، مَجْدُكِ شَامِخٌ
وَلِغَيْرِ رَبِّ العَرْشِ لَا نَتَبَتَّلْ