سَارَتْ خُطَايَ إِلَى رِيَاضِكِ، وَالهَوَى
فِي القَلْبِ مِثْلَ السَّلْسَبِيلِ يُهَلَّلْ
يَا سَارَةَ الحُسْنِ البَدِيعِ تَأَلَّقِي
فَالعُمْرُ دُونَ جَمَالِكِ لَا يُقْبَلْ
قَدْ جِئْتُ أُعْلِنُ أَنَّ قَلْبِي خَاضِعٌ
لِعُيُونِكِ السَّحرَاءِ، حَيْثُ نُبَجِّلْ
تَسْقِينَ قَهْوَتَكِ النَّدِيَّةَ فِي المَدَى
وَالمَوْجُ فِي عَيْنَيْكِ حُلْماً يُنْهَلْ
يَمْشِي الرَّحِيقُ إِلَى لَمَاكِ مُحَبَّبًا
فَيَذُوبُ قَلْبِي فِي شَذَاكِ، وَيُذْهَلْ
يَا خَمْرَةَ الرُّوحِ الَّتِي فِي كَأْسِهَا
صَفْوُ الوِدَادِ لِذِي الصَّبَابَةِ يُجْزَلْ
طَابَ الرَّحِيقُ بِثَغْرِ سَارَةَ مَنْهَلاً
فَعَلَى ضِفَافِ رِضَاكِ قَلْبِي يَنْزِلْ
مَا ذَاقَ طَعْمَ الشَّهْدِ مَنْ لَمْ يَرْتَوِ
مِنْ رِيقِ حُبِّكِ، حِينَ وَجْدُكِ يُعْسِلْ
فِنْجَانُ حُبِّكِ كَالمِسْكِ فِي كَفٍّ، لَهَا
نَبْضُ المَشَاعِرِ خَاضِعٌ لَا يُسْأَلْ
هِيَ قَهْوَةُ الأَشْوَاقِ فِي حَانِ الهَوَى
مِنْ كَفِّ سَارَةَ، كَالشَّذَا تَتَسَلَّلْ
مَزَجَتْ بِطِيبِ الوَرْدِ طَعْمَ غَرَامِهَا
فَغَدَا الشُّعُورُ بِنَارِهَا يَتَسَدَّلْ
يَا لَذَّةَ السَّاعَاتِ وَهْيَ تَمُرُّ بِي
فِي مَوْطِنٍ بِالحُسْنِ دَوْماً يُجْبَلْ
أَغَارُ مِنَ الرَّشَفَاتِ فِي فِنْجَانِهَا
حِين استَقَرَّتْ فِي الفَمِ المَعْسَلْ
تَشْكُو القُرُنْفُلَ إِذْ تَمَادَى سِحْرُهُ
فِي ثَغْرِهَا، وَبِعِطْرِهِ يَتَغَلَّلْ
هِيَ قَهْوَةٌ سَكْرَى بِطَعْمِ وِدَادِنَا
فِي كُلِّ رَشْفٍ بِالجمَالِ تُكَلِّلْ
أَغَارُ حَتَّى مِنْ نَسِيمٍ عَابِرٍ
يَهْفُو لِخَدِّكِ، أَوْ عَلَيْهِ يُهَدِّلْ
أَغَارُ مِنْ سُكْرِ البَنَفْسَجِ فِي دَمِي
لَمَّا أَرَاكِ بِوَصْلِنَا نَتَكَمَّلْ
عَيْنَاكِ خَمْرٌ وَالمَلامِحُ نَشْوَةٌ
وَبِرِيقِ ثَغْرِكِ عَالَمِي يَتَجَمَّلْ
تِيِهي دَلَالاً فَالبَنَفْسَجُ غَائِرٌ
مِنْ طِيبِ رُوحِكِ، وَالشَّذَا يَتَمَلْمَلْ
يَا سَارَةَ الحُسْنِ المُصَفَّى، إِنَّنِي
فِي بَحْرِ عِشْقِكِ هَائِمٌ لَا أُعْذَلْ
أَغَارُ مِنْ كُلِّ النَّسَائِمِ حَوْلَهَا
لَمَّا بَدَتْ بِعُطُورِهَا تَتَغَلْغَلْ
حَسَدَ النَّسِيمُ شَذَاكِ حِينَ يَرُومُهُ
وَبِرِيحِ ثَوْبِكِ طَيُّهُ يَتَهَلْهَلْ
هِيَ فِتْنَةُ الأَزْهَارِ حِينَ تَنَفَّسَتْ
مِنْ نَفْحِ حُسْنِكِ، وَالجَمَالُ مُأَصَّلْ
يَا سَارَةَ العِطْرِ الَّذِي فِي بَوْحِهِ
تُشْفَى الجِرَاحُ، وَبِالوِدَادِ نُغَسَّلْ
يَا سَارَةَ الحُسْنِ المُكَلَّلِ بِالسَّنَا
يَا رَوْعَةَ الإِشْرَاقِ إِذْ يَتَبَدَّلْ
شَمْسُ الجَمَالِ أَطَلَّ مِنْ أَهْدَابِهَا
وَبِنُورِهَا دُجُجُ اللَّيَالِي تُجْفَلْ
هِيَ نَجْمَةُ الفَجْرِ الَّتِي فِي ضَوْئِهَا
كُلُّ القُلُوبِ لِنَبْضِهَا تَتَبَتَّلْ
خُتِمَتْ بِهَا كُلُّ الأَمَانِي رِفْعَةً
وَبِحُسْنِهَا عَقْدُ المَحَاسِنِ يُقْفَلْ
فِي حَضْرَتِكْ يَتَزَيَّنُ العُمْرُ الَّذِي
بِالشَّوقِ فِي لُقْيَاكِ كَانَ يُكَبَّلْ
مَا كَانَ عُمْرِي قَبْلَ حُبِّكِ نَيِّراً
بَلْ كَانَ لَيْلاً فِي المَوَاجِعِ يَرْفُلْ
حَتَّى طَلَعْتِ عَلَى حَيَاتِي نَجْمَةً
فِي ضَوْئِهَا كُلُّ المَآسِي تُنْصَلْ
يَا سَارَةَ الآمَالِ، قُرْبُكِ مَوْطِنٌ
فِيهِ اغْتِرَابُ الرُّوحِ لَا يَتَحَصَّلْ
يَا زَهْرَةً فَاضَ الجَمَالُ بِعِطْرِهَا
يَا مَنْبَعَ الأَحْلَامِ، يَا نَصْراً أُطِلْ
عِطْرُ الأُصُولِ بِرُوحِ سَارَةَ نَافِحٌ
وَبِهَا إِكْلِيلُ الشَّآمِ يُكَلَّلْ
هِيَ ظَفْرَةُ الأَيَّامِ بَعْدَ عَذَابِهَا
وَبِهَا جِرَاحُ المُثْخَنِينَ تُغَسَّلْ
يَا نَبْعَ نُورٍ لَا يُغَادِرُ أُفْقَنَا
أَنْتِ الهَوَى، وَبِكِ الأَمَانِي تُجْمَلْ
إِنِّي أُسَافِرُ فِي عُيُونِكِ كُلَّمَا
فَاحَتْ دِلَالُ القَهْوَةِ الثَّمْلَى، صَلْ
كَفَّاكِ قَدْ عَلَّتْ فُؤَادِي نَشْوَةً
تَمْحُو الأَسَى، وَبِطُهْرِهَا أَتَغَسَّلْ
كَفَّاكِ يَا سَارَةُ فَيْضُ سَكِينَةٍ
فِيهَا جِرَاحُ العُمْرِ قَسْراً تُنْصَلْ
هِيَ نَشْوَةُ الأَرْوَاحِ فِي غَلَوَاتِهَا
وَبِهَا إِكْلِيلُ الشَّآمِ يُجَلَّلْ
فَإِذَا لَمَسْتِ القَلْبَ زَالَ نَحِيبُهُ
وَغَدَا بِأَنْوَارِ الرِّضَا يَتَسَرْبَلْ
مَا كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ فِيكِ مَلَاكَتِي
تَمْشِي فَيَرْحَلُ عَنْ يَدَيَّ الحَنْظَلْ
تَسْرِي بِأَعْمَاقِي كَلَحْنِ قَصِيدَةٍ
عَمَّتْ بَهَاءً، وَالمَدِيحُ يُجَذِّلْ
أَنْتِ القَصِيدُ البِكْرُ فِي دِيوانِنَا
وَبِغَيْرِ طُهْرِكِ نَظْمُنَا لَا يُقْبَلْ
خَطَّتْكِ رُوحِي فِي الحَشَا بِمَوَدَّةٍ
سِفْراً مِنَ الأَشْوَاقِ لَا يَتَحَلَّلْ
يَا هَمْسَةً لَمْ يَحْوِهَا قِرْطَاسُنَا
بَلْ فِي ضَمِيرِ الوَجْدِ دَوْماً تُثْمَلْ
وَالقَهْوَةُ السَّوْدَاءُ صَارَتْ جَنَّةً
لَمَّا ارْتَشَفْتِ، وَطَعْمُهَا كَالصَّنْدَلْ
سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ المَرَارَةَ سُكَّراً
إِذْ مَسَّ كَفُّكِ كُوبَنَا المُتَعَلِّلْ
هِيَ قَهْوَةٌ سَمْرَاءُ يَضْحَكُ فَأْلُهَا
وَبِرِيحِهَا عِطْرُ الخُزَامَى يُهْمَلْ
سَارَةُ.. يَا شَهْدَ الحَيَاةِ وَعَذْبَهَا
بِكِ كُلُّ مُرٍّ فِي المَذَاقِ يُحَلَّلْ
أَمْضِي لِكَفَّيْكِ المَنَارَةَ طَائِعاً
كَيْ أَسْتَعِيدَ العُمْرَ، فِيكِ يُجَمَّلْ
عَيْنَاكِ مِرْآةُ الزَّمَانِ وَطُهْرِهِ
وَبِهَا شَتَاتُ الرُّوحِ أَمْسَى يُعْقَلْ
إِنْ كَانَ جَمْرُ النَّظْرِ يَحْرِقُ خَافِقِي
فَالشَّهْدُ مِنْ شَفَتَيْكِ دَوْماً يُبْذَلْ
يَا سَارَةَ الدُّنْيَا وَجَنَّةَ أَهْلِهَا
بِكِ نَبْضُ قَلْبِي لِلْمَعَالِي يُرْحَلْ
يَا سَارَةَ العُلْيَا، وَحُسْنُكِ آيَتِي
وَبِطُهْرِ ثَغْرِكِ كُلُّ هَمٍّ يَنْجَزِلْ
نَقَّيْتِ مِنْ كَدَرِ الحَيَاةِ سَرِيرَتِي
فَغَدَا فُؤَادِي فِي هَوَاكِ يُغَسَّلْ
آيَاتُ حُسْنِكِ لِلْغَرِيبِ مَنَارَةٌ
وَعَلَى ضِيَاهَا كُلُّ نَجْمٍ يَأْفُلْ
مَا كُنْتِ بَسْمَةَ عَابِرٍ لَكِنَّهَا
رُوحٌ بِأَعْمَاقِ القَصِيدِ تُدَلِّلْ
إِنْ مُتُّ يَوْماً فِي هَوَاكِ فَرَدِّدِي
هَذَا الوَفَاءُ عَلَى الفُؤَادِ سَيُكْتَلْ
عَهْدُ الغَرَامِ مَعَ المَنِيَّةِ شَاهِدٌ
أَنَّ الوِدَادَ بِغَيْرِ مَوْتٍ لَا يُبَلْ
خُطِّي عَلَى قَبْرِي حُرُوفَ مَحَبَّةٍ
قُلِي: "حَبِيبِي بِالعُهُودِ مُكَبَّلْ"
يَا سَارَةَ الدُّنْيَا وَجَنَّةَ آخِرِي
أَنْتِ المَلَاذُ، وَفِيكِ عُمْرِي يُخْتَمَلْ
سَارَاتُ.. يَا تَاجَ الغَرَامِ وَبَهْجَتِي
مَا بَعْدَ حُبِّكِ أَيُّ سُؤْلٍ يُقْبَلْ
أَنْتِ المَلِيكَةُ وَالقُلُوبُ رَعِيَّةٌ
وَعَلَى مَقَامِكِ نَبْضُنَا يَتَوَسَّلْ
لَا تَرْتَجِي نَفْسِي سِوَاكِ مَفَازَةً
فَبِكِ المُنَى وَبِكِ الرَّجَاءُ يُجَمَّلْ
صَلَّى الهَوَى فِي نُورِ عَيْنِكِ خَاشِعاً
وَبِحُسْنِ وَجْهِكِ ذُو الجَلَالِ سَيُنْهَلْ
قَدْ خُتِمَتِ الأَشْوَاقُ فِيكِ، وَرُوحُنَا
صَارَتْ لِعَيْنَيْكِ الضِّيَاءَ، فَأَقْبِلْ
هِيَ قِصَّةٌ لِلْحُبِّ خَلَّدَ نَصَّهَا
قَلْبٌ بِأَسْرَارِ الشَّآمِ مُكَبَّلْ
سَارَتْ بِنَا سَارَةُ لِنُورِ يَقِينِنَا
فِي مَرْفَأٍ بِالعِزِّ دَوْماً يُجْزِلْ
تَمَّتْ بَحَمْدِ اللهِ أَعْظَمُ لَوْحَةٍ
فِيهَا جَلَالُ الحُسْنِ لَا يَتَبَدَّلْ