تخطَّ إلى المحتوى

عفت الديار وما تزال كرامها

الكامل

٣٣ بيت

النسيب

عَفَتِ الدِّيَارُ وَمَا تَزَالُ كِرَامُهَا

تَرْنُو إِلَيَّ وَكَأَنَّهَا سِحْرُ أَحْلَامُهَا

عَفَتِ الرَّوَابِي وَغَابَ عَهْدُ وِئَامِهَا

وَتَبَدَّدَتْ فِي الرِّيحِ حُلْمَ غَرَامَهَا

وَرَأَيْتُهَا طَيْفًا يُرَاوِدُ أَضْلُعِي

وَتَشَتَّتَتْ نَفْسِي عَلَى أَسْقَامِهَا

سَلْقِينُ يَا وَطَنَ الْفُؤَادِ وَوَحْيَهُ

وَالْوَادِيَ سَاحِرٌ يَنْثُرُ إِلْهَامُهَا

هِيَ سَلْقِينُ الرُّوحِ، أَجْمَلُ مَنَازِلٍ

فِيهَا الْأَمَانِي كُنَّ فَوْقَ خِيَامِهَا

وَدَّعْتُهَا وَدُمُوعُ عَيْنِيَ تَسْجُمُ

شَوْقًا يُذِيبُ الصَّخْرَ عِنْدَ خِتَامِهَا

مَرَّتْ سَرَاةُ الرُّوحِ غَدْوًا وَغَادِيًا

وَبَقِيتُ أَرْقُبُ فَيْنَةَ عِزٍّ وَمَقَامُهَا

يَا سَارَةُ، وَالْعُمْرُ بَاتَ مُمَزَّقًا

بَيْنَ اللِّقَاءِ وَحَسْرَةِ حُزْنِ إِيلَامِهَا

هَلْ تَذْكُرِينَ صَبَاحَنَا وَمَسَاءَنَا؟

وَالْمَوْجُ يَشْهَدُ بِالْمَدَى أَنْعَامِهَا

يَا وَادِيَ الْأَحْلَامِ، هَذِي ظِبَاؤُكُمْ

هَلْ تَذْكُرُ الْعُشَّاقَ فَوْقَ مُقَامِهَا

أَمْ هَلْ تَنَاسَتْنِي الدِّيَارُ وَأَهْلُهَا

وَذِكْرُ نُؤَيِّهَا وَثُمَامُهَا وَأُثَامُهَا

لَبِثَتْ جِرَاحِي فِي الرِّيَاحِ كَأَنَّهَا

نَارٌ تَذُوبُ الرُّوحُ فِي أَسْقَامِهَا

لَمَّا تَنَاءَتْ وَاسْتَبَانَ الْمَحَلُّهَا

وَتَقَطَّعَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ مَدَامُهَا

سَارَتْ فَأَجَّجَ فِي الضُّلُوعِ لَهِيبُهَا

وَالْوَجْدُ يَلْهَجُ فِي الْفُؤَادِ وَضَامُهَا

يَا لَوْعَةَ التَّوْدِيعِ كَمْ شَكَتِ الدُّنَا

مِنْ حُزْنِ مُشْتَاقٍ تَشَقَّقَ عَامُهَا

هَلْ يَرْجِعُ الزَّمَانُ يَوْمًا حَافِلًا

بِنَدَى اللِّقَاءِ وَيُؤْذِنُ الْإِكْرَامُهَا؟

يَا سَارَةَ الْحُسْنِ الْمُضِيءِ بِنُورِهِ

هَلْ يَنْجَلِي سَدْفُ النَّوَى وَظَلَامُهَا؟

أَمْ كُلُّ مَا حَلَمْنَا لَيْلًا زَائِلٌ

وَتُفَرِّقُ الْأَحْدَاثُ بَيْنَ وِئَامِهَا؟

لَكِنَّنِي لَا أَسْلُو وَإِنْ غَابَ النَّوَى

فَالْقَلْبُ يَنْبُضُ وَالْهَوَى إِقْدَامُهَا

وَسَأَظَلُّ أَذْكُرُ فِي الطُّلُولِ مَحَبَّةً

حَتَّى يُجَدِّدَ لِلْقُلُوبِ وِصَامُهَا

أَأَبْكِي وَأَعْلَمُ أَنَّ دَمْعِيَ مُوجِعٌ

لِلصَّبْرِ، لَكِنْ مَا لِقَلْبِيَ حِزَامُهَا

تَفْنَى السُّنُونُ وَلَا أَزَالُ مُسَهَّدًا

يَخْبُو النَّهَارُ وَيَشْتَعِلُ إِظْلَامُهَا

يَا طَيْفَ سَارَةَ إِنْ مَرَرْتَ بِرَبْعِهَا

فَاسْأَلْ تُرَابَ الْأَرْضِ كَيْفَ غَرَامُهَا

هَلْ لَا زَالَتْ فِي الْحَيِّ تَذْكُرُ عَاشِقًا

ضَاعَتْ بِهِ الْأَيَّامُ وَانْهَدَّ عَامُهَا

وَهَلْ تَرَاهَا إِنْ سَأَلْتُ تُجِيبُنِي

أَمْ أَنَّ صَوْتَ الْعَهْدِ ضَاعَ كَلَامُهَا

إِنِّي وَإِنْ نَأَتِ الدِّيَارُ مُحِبُّهَا

وَالذِّكْرُ فِي صَدْرِي يُنِيرُ ظَلَامَهَا

مَا نَفْعُ عَيْشٍ لَا تَزُفُّ رِيَاحُهُ

مُهْجَةَ وَصْلٍ يُحْتَفَى بِتَمَامِهَا

هَيْهَاتَ، لَسْتُ أُطِيقُ عَيْشًا خَامِدًا

لَا يُنْطِقُ فَاهُ الْأَيَّامَ إِلَّا رُكَامُهَا

سَلْقِينُ، يَا وَطَنَ الْعُيُونِ وَمَهْبِطَ الْ

أَحْبَابِ، يَا مَنْبَعَ الْهَوَى وَهِيَامَهَا

إِنِّي وَإِنْ سَافَرْتُ شَوْقًا لَهَا، سَوْفَ

لَا أَنْسَى رُبًى غَنَّتْ بِهَا أَحْلَامُهَا

إِنَّا تَفَارَقْنَا وَكُلُّ حَيَاتِنَا حُزْنٌ

وَدَرْبٌ يَئِنُّ بِفِرْقَةٍ وَمَلَامِهَا

يَا بَدْرَ عَيْنِي، هَلْ يَعُودُ لِقَاؤُنَا

أَمْ أَنَّ قَدَرِي غَارَ فِي أَوْهَامِهَا

مَا زِلْتُ أَسْجُدُ لِلْمُنَى وَبِقَلْبِي جَوَى

أَرْجُو اللِّقَاءَ وَلَا يَحِينُ مُرَامِهَا