عسى أنْ لا غِيابَ ولا زوالُ
ولا جَبَلٌ يَحُولُ ولا تِلالُ
ولا طيفٌ يَسُوؤُكَ في منامٍ
ولا ضُرٌّ يَمَسُّكَ أو يَطالُ
ولا تتباعدُ الخُطواتُ مِنا
فلا تُجدي الخُيولُ ولا الجِمالُ
ولا أتَتِ الدُّهورُ لنا بجيشٍ
تَذُلُّ لهُ المدافِعُ والنِّبالُ
كثيرٌ أنْ يكونَ لنا بِطِفْلٍ
جمالُكَ والبراءةُ والكمالُ
تُناديني على بُعْدٍ بِشِعْري
فَتَسْحَرُني اللَّبَاقةُ والدَّلالُ
فأشعرُ أنني ما زلتُ حيّاً
ولي وطنٌ هناكَ ولي رجالُ
ولي غصنٌ وَرِيقٌ مِثْلُ قلبي
ولي أيْكٌ يَسُرُّ ولي ظِّلالُ
لقدْ قالوا بأنّ الدربَ صَعْبٌ
فلا نَجْمٌ يُطالُ ولا هلالُ
وقدْ قالوا إلى أنْ ضاقَ صَدْري
ويَهْزَأُ خافقي فيما يُقالُ
رَكِبْتُ بِحارَها طولاً وعَرْضاً
وصارَ أَرّقَّ أحلامي المُحالُ
ألا ماذا يُؤَرِّقُ كلَّ عيْنٍ
تَرانا ثُمَّ تَهْرُبُ يا جَمالُ؟
فهل ينأى ببالِكَ ما بِبالي
متى يَنْجابُ للنائينَ بالُ؟
تطيرُ بواحتي طيراً أسيفاً
ومِنْ أحلى صِفاتِكَ لا تُنالُ
تُذَكِّرُني بماضٍ ذي شُجُونٍ
وتَأْخُذُني لِمَا تَطْوي الرِّمالُ
إذا كانتْ بنو سَعْدٍ رياضاً
فإنَّكَ في رياضِهِمُ الغَزالُ
وقوفُكَ في طريقِهِمُ التَّماشي
ووجْهُكَ في لياليهمْ هلالُ
ونبْضُكَ في زمانِهِمُ الثواني
وصَمْتُكَ للمُجيبينَ السُّؤالُ
كثيرٌ أنْ نُحَرِّمَ كلَّ شئٍ
بهِ لِوُجوهِنا وَجْهٌ حَلالُ
كثيرٌ أَنْ نُطارِدَ كلَّ خَيْطٍ
سَتَحْمِلُهُ السَّحائِبُ والجِمالُ
شرابُ العادِلينَ بها المَنايا
وشُرْبُ الظالمينَ بها الزلالُ
وما زِلْنا نُريدُ لها زوالاً
وما زالتْ تعيشُ ولا تزالُ
تغيبُ هُمومُنا عَنْ كلِّ قلبٍ
ويضْحَكُ مِنْ كِنايَتِها الخيالُ
ونُبْحِرُ والسَّفينُ بلا شِراعٍ
ومَوْجُ البَحْرِ أحْداثٌ سِجالُ
نَنَامُ على الهِدايةِ كلَّ يومٍ
ونَصْحُو والضَّلالُ هو الضَّلالُ
تَقُودُ العالمينَ جُذُوعُ نَخْلٍ
وَهُمْ خُشُبٌ مُسَنّدةٌ ثِقالُ
نموتُ بِظِلِّ قادتِنا سُكُوتاً
فلا نَعْلٌ يُصانُ ولا عِقالُ
عناقيدٌ مِنَ الأعنابِ يَجْني
وتكفينا منَ البعْثِ السِّلالُ
ويغْرِفُ آكِلاً مِنْ أيِّ صوبٍ
فما تعني لصدّامَ الخِلالُ؟
وظلَّ العاصِفُ الوَهّاجُ يَرْوِي
لنا ما فيكَ تفعَلُهُ الرِّمالُ
فهل فيها لعاقلَةٍ صوابٌ
وهل فيها لقائلَةٍ مقالُ؟
وهل فيها لناقِلةٍ كلامٌ
وهل فيها لسائِلةٍ سؤالُ؟
عَدِمْنا الأُمْسياتِ وقائِليها
وما أوْدى بِحِكْمَتِنا الجِدالُ
فلا بيتٌ يُزارُ ولا مَضيفٌ
ولا جارٌ يُجارُ ولا يُعالُ
مَضتْ عقَباتُنا ومَضَى هَوانا
إلى أنْ زالَ شئٌ لا يَزالُ
نَصِيبُكَ أنْ تعيشَ على حِمامٍ
لكي لا يشْمَتَ الدَّاءُ العُضالُ
وحظُّكَ أنْ تنامَ على جِرَاحٍ
فلمْ تَضْحَكْ على دَمِكَ النِبالُ
تَغَيَّرَتِ النُّفُوسُ فلا مكانٌ
لِوِدٍّ في القلوبِ ولا مَجالُ
كما لا نَشْتَهِي وَصْلاً وقَفْنا
كَنّا لا يُفَرِّحُنا الوِصالُ
عسى أنْ لا غِيابَ ولا زوالُ
يُفَرِّقُنا ولا صَادٌ ودالُ
ولا ظَعَنَتْ ركائبُ مَنْ قَصَدْنا
ولا رَحَلُوا ولا شُدَّ الرِّحالُ
ولا ضاقَ الفسيحُ ولا تلاشى
ولا طالَ الوَجِيفُ ولا النِّزالُ
ولا وَقْرٌ بِمَسْمَعِ مَنْ تُنادي
ولا نَهْرٌ سَتَطْمُرُهُ الرِّمالُ
ولا عجَّ الشِّتاءُ على مَصِيفٍ
ولا ضَجَّ الجنوبُ ولا الشِّمالُ
عسى أنْ لا غِيابَ ولا زَوالُ
وتَقْديراً وشُكْراً يا جمالُ