أَمِنْ طَيفِ سَلْمَى أَثْخَنَتْكَ البَلابِلُ
وَسَالَتْ بِأَكْنَافِ القَمِيصِ الهَوَاطِلُ
وَذَكَّرَكَ العَهْدَ الَّذِي خِلْتَ أَنَّهُ
هَشِيمٌ تُسَفِّيهِ الرِّيَاحُ الجَوَافِلُ
وأعشَاكَ طُولُ اللَّيلِ حَتّى كَأنّمَا
تَرَى الصُبْحَ مِمَّا لَفّقَتهُ الأَوَائِلُ
وَساوسُ نَفسٍ قد أَضَرَّ بِهَا الجَوَى
فَطورًا لَهُ تَألُو وَطَورًا تزَايلُ
خَليلِيَّ إِنَّ الهَمَّ بالِغُ أَمْرِهِ
مَتَى حَلَّ لا تُخْفَى عَلَيْهِ المَدَاخِلُ
يَجُوسُ خِلَالَ الصَّدْرِ حَتَّى كَأَنَّهُ
مَلِيكٌ لَهُ فِي كُلِّ ثَغْرٍ مَعَاقِلُ
وَمَا كَانَ لَولَا أن تَملّكَ أَضلُعُي
هَوًى لِسُليمَى أَفسَدَتهُ العَوَاذِلُ
عَواذِلُ جَدُّوا أن يَجِذّوا عُرًى نَمت
فَجَاؤُوا بقولٍ شَيّدَتُهُ الأَبَاطِلُ
وَزَاغَتْ لَهُ سَلْمَى فَجَانَبتِ الَّذِي
تَقومُ عَلَى القِسطَاسِ مِنهُ الدّوَاخِلُ
وَقَدْ زَعَمَتْ أَنِّي خَؤُونٌ لِعَهْدِهَا
وَمَا لِي لَعَمْرُ اللهِ فِي ذَاكَ طَائِلُ
فَأمسَيتُ أَسْتَسْقِي الدّمُوعَ لِغصّةٍ
تَقَاصرُ عَنهَا النَّائِحَاتُ الثَواكِلُ
مُكِبًّا عَلَى وَجْهٍ تَبَيَّنَ عَظْمُهُ
فَمَا قُمْتُ إِلَّا أَقْعَدَتْنِي القَلَاقِلُ
وَادَّكِرُ الأَيَّامَ لَوْ كَانَ ذِكْرُهَا
يُوَارِي أَسًى قد كَنّفَتْهُ النَّوَازِلُ
لَياليَ تَخبو بالخُدُورِ وَطَرفُهَا
يُخالسُ طَرفِي تَارةً وَيخُاتِلُ
وَإِنِّي وَإِنْ ضَنَّتْ بِمَا جَادَ غَيرُهَا
لَراغِبُهَا حَتَّى تُهَدَّ الكَلاكِلُ
وَيَا رُبَّ لَيْلٍ لَمْ تُوَرَّ نُجُومُهُ
غَشَتْنِي بِهِ مَمْكُورَةٌ تَتَمَايَلُ
مِنَ النَّاعِمَاتِ الذَّابِلَاتِ كَأَنَّهَا
صَحِيفَةُ هِنْدِيٍّ بَرَتْهَا الصَّيَاقِلُ
مُمَيَّعَةٌ دَانِي القُطُوفِ حَفِيَّةٌ
إِذَا هِيَ قَامَتْ رَجْرَجَتْهَا المَفَاصِلُ
فَجَاءَتْ عَلَى رِسْلٍ تَهَادَى كَأَنَّهَا
سَحَائِبُ غَوْثٍ أَثْقَلَتْهَا الحَمَايِلُ
وَقَالَتْ وَقَدْ أَوْمَتْ بِرَاجِعِ طَرْفِهَا
أَلَا اقْرُبْ فَمَا جَودِي لِمِثْلِكَ زَائِلُ
فَحِدْتُ وَلَمْ أَدْنُ لِمَا رَغَّبَتْ لَهُ
حَثِيثًا وإنْ سَاغَت إلِيهِ المَنَاهِلُ
لِأجلِ رَقيبٍ خَامرَ النَفسَ فَاستَوَى
وَما هُوَ إنْ تَنأى سُلَيمَةَ غَافِلُ
لَئِنْ كَانَ مِنْهَا مَا تَكَدَّرَ سَيْبُهُ
فَإِنِّي إِلَى صَفْوِ العَطِيَّةِ رَاحِلُ
إِلَى أَرْيَحِيٍّ قَدْ تَيَقَّنَ ضَيْفُهُ
بِأَنَّ سَيْرَهُ بَعْدَ القِرَى مُتَثَاقِلُ
كَأَنَّ غَزِيرَ الوَدْقِ عَاقِدُ حَبْوَةٍ
عَلَى كَفِّهِ اليُمْنَى مَتَى جَاءَ سَائِلُ
يَجُودُ بِهِ سَاخٍ عَلَى غَيْرِ مَنَّةٍ
فَيَحْيَا بِهِ قَفْرٌ مِنَ الفَقْرِ مَاحِلُ
بَصِيرٌ بِمَا أَدْجَى عَلَى النَّاسِ أَمْرُهُ
صَبُورٌ إِذَا غَالَتْ عَلَيْهِ الغَوَائِلُ
مَرِيرٌ عَلَى العَادِينَ سَمْحٌ لِغَيْرِهِمْ
أَخُو ثِقَةٍ دَانَتْ إِلَيْهِ الفَضَائِلُ
تَلُوذُ بِهِ الأَقْوَامُ مِمَّا يَؤُودُهَا
كَمَا اعْتَصَمَتْ بِالرَّاسِيَاتِ الجَحَافِلُ
فَإِنْ يَحْمِلِ الأَثْقَالَ يَوْمًا مَشَى بِهَا
خَفِيفًا كَمَا تَمْشِي الجِمَالُ البَوَازِلُ
أَبَى الذَّمَّ آبَاءٌ نَمَتْهُ جُدُودُهُمْ
فَمَجْدُهُمْ مِنْ مَجْدِهِ مُتَوَاصِلُ