يا ربيعًا ما كان أسنى وأبهَى
من لياليهِ بيننا ونهارِهْ
طالما صغتَ للبريّة روضًا
يقْصرُ الوصفُ عن جميل ازدهارِه
يبسم الوردُ للبهار ويُزْهَى
فيه نَسرينُه على جُلَّناره
ويهبُّ النسيم يمشي رُخاءً
فيكفُّ الشتاءَ عن إعصاره
وتغنِّي الطيورُ أعذب لحنٍ
من أهازيجها على قيثاره
من حَمامٍ مشوَّقٍ بحمامٍ
أو هزارٍ مشوَّقٍ بهزارِه
ويتيهُ السرور في البرِّ والبح
رِ، وفي الجوِّ مُسبِلاً لإزارِه
يملأ الكونَ قوةً وحياةً
وصفاءً بحسنِه ويسارِه
يمسحُ البَرْدَ باليمين ويثني
لافحَ الحرّ مشفقًا بيساره
يا نِعمّاه من مليكٍ مفدّىً
كلُّ فصلٍ متوَّجٌ بفخاره
كنتَ بالأمس يا ربيعُ سلامًا
للبرايا ورافعًا لشعاره
تجْمع الناسَ في المحبة شخصًا
واحدًا في ميوله واختياره
يتهادَوْنَ فيك أطيبَ وِدٍّ
ويلذُّون من شهيِّ ثماره
في نوادٍ بأهلها حافلاتٍ
كل نادٍ يعجُّ من سُمّاره
بينما أنت هكذا أذِنَ الل
هُ، فثارَ العجيجُ تحت غباره
وسرى الليل فيك أسودَ غربي
بًا وعمَّ النهارَ داجي ستاره
وجرى النحسُ في الوجود شمالاً
ومضى الشؤمُ مؤْذنًا بانهياره
أرسل الجوُّ وابلاً من شُواظٍ
ونُحاسٍ وجَدَّ صوْبُ انهماره
وغلى البحرُ كالجحيمِ فما تن
ظُرُ إلا دُخانَه بعد ناره
وعلى البرِّ ثورةٌ تتلظَّى
جحفلٌ إثْرَ جحفلٍ في انتظاره
جثثٌ ترتمي بغير رؤوسٍ
ورؤوسٌ عَفَتْ عليها المكاره
وجريحٌ مضرَّجٌ في دماءٍ
وأسيرٌ مكبَّلٌ في إساره
واستبدَّ الشقاء فيمن تبقَّى
من بني آدمٍ ينادي بثاره
يترك الناس في زعازعِ عُمْيٍ
ويُضِلُّ البصيرَ عن إبصاره
يأكل الناسُ بعضُهم لحمَ بعضٍ
وترى الجار شاربًا دمَ جاره
جدَّدوا يا ربيعُ فيك دمارًا
لهْفَ نفسي على الورى ودماره
فكأني بآدمٍ وهْو يبكي
وبحوّاءَ ولولتْ بجِواره
يندبانِ البنين، بين قتيلٍ
وأسيرٍ، ونازحٍ عن دياره
فالذي عاش لم يطِبْ بحياةٍ
والذي مات قبرُه لم يواره
يا بني آدمٍ إلامَ تَسيرو
نَ وكلٌّ يريشُ سهمَ انتحاره؟
أذْهَبَ الله عنكمُ ظلمة الحِقْ
دِ، وجلَّى لكم سنا أنواره