أَلا حَدِّثا عَنْ عَهْدِ ناقِضَةِ العَهْدِ
ولا تُؤْيِسانِي وَعْدَ مُخْلِفَةِ الوَعْدِ
ولا تَنْسَيا ذِكْرَ المَعاهِدِ وَاخْبِرا
عَنْ الجِيرَةِ الغادِينَ وَالعَلَمِ الفَرْدِ
دِيارٌ عَهِدْناها وَإِذْ نَحْنُ جِيرَةٌ
نُطاردُ فِيها أَنْجُمَ النَّحْسِ وَالسَّعْدِ
أَتَيْنا عَلَى الأَقْدامِ نَمْشِي كَرامَةً
إِلَيْها وَلَوْ أَعْيَتْ مَشَيْنا عَلَى الأَيْدِي
وكُنْتُ بِها أَصْطادُ كُلَّ مَلِيحَةٍ
هَضَيمِ الحَشا غَيْداءَ مائِسَةِ القَدِّ
ويا عاذِلِي فِي هِنْدَ رِفْقاً بِمُهْجَةٍ
تَذُوبُ مَدَى الأَيامِ شَوْقاً إِلَىِ هِنْدِ
ومَهْلاً بِقَلْبٍ فِي هَواها مُتَيَّمٍ
يُقَلَّبُ فِي جَمْرِ الكَآبَةِ وَالوَجْدِ
فَتاةٌ بَرَى قَلْبِي هَواها وَحُبُّها
ولَمْ يَبْقَ مِنْ جِسْمِي سِوَى العَظْمِ وَالجِلْدِ
أَحِنُّ لَها شَوْقاً عَلَى القُرْبِ وَالنَّوَى
وأَمْنَحُها وُدِّي عَلَى المَقْتِ وَالوُدِّ
وبِي لَوْعَةٌ لَوْلا عَفافِي وَشِيمَتِي
لأَطْفأْتُها مِنْ رِيقِها العَذْبِ بالبَرْدِ
شَرَحْتُ لَها ما أَشْتَكِي فَتَضَرَّجَتْ
مَحاسِنُ مِنْها إِذْ بِماءِ الحَيا تَنْدِي
إِذا الجُلَّنارُ الغَضُّ غَيَّرَهُ الحَيا
عَلَى الوَجْهِ وَاصْفَرَّتْ بِهِ وَرْدَةُ الخَدِّ
بَدَتْ فَتَجَلَّتْ شَمْسَ خِدْرٍ وَرَقْرَقَتْ
جُفُوناً فَسَلَّتْ صارِماً باتِرَ الحَدِّ
رَمَتْنِي عَلَى عَمْدٍ بِأَسْهُمِ لَحْظِها
فَوَيْلاهُ مِنْها إِذْ رَمَتْنِي عَلَى عَمْدِ
وقَدْ كادَ مِنِّي القَلْبُ يَنْقَدُّ غِيرَةً
عَلَيْها مِنَ الخَلْخالِ وَالمِرْطِ وَالعِقْدِ
تُحاكِي نَسِيمَ السَّحْرِ رِقَّةُ لَفْظِها
وسَوْداؤُها أَقْسَى مِنَ الحَجَرِ الصَّلْدِ
فَمَنْ لائِمِي إِنْ بِعْتُ رُوحِي وَمُهْجَتِي
لَها وَاقْتَضَيْتُ الغَيَّ عَنْ مَذْهَبِ الرُّشْدِ
مُهَفْهَفَةٌ تَرْنُو بِعَيْنِ غَزالَةٍ
عَلَى شَفَتَيْها صِبْغَةٌ مِنْ دَمِ المَرْدِ
ولَمْ أَنْسَ يَوْمَ البَيْنِ عَهْداً عَهِدْتُهُ
حَقِيقَتُهُ تُزْرِي بِذِي النَّجْدَةِ الجَلْدِ
وكَمْ حَسْرَةٍ يَوْمَ الوَداعِ تَصَعَّدَتْ
لَها هِيمُ أَنْفاسِي وَذابَتْ لَها كَبْدِي
تُلاحِظُنِي سِرًّا فَتَرْشُقُ مُهْجَتِي
بِأَوْجَعَ مِنْ وَقْعِ المُثَقَّفَةِ المُلْدِ
تَمَتَّعْتُ أَيامَ الشَّبابِ وَشَرْخَهُ
بِوَصْلِ الخِرادِ البِيضِ وَالعِيشَةِ الرَّغْدِ
فَلَمَّا بَدا وَخْطُ المَشِيبِ وَقاضَنِي
مِنَ الوَصْلِ بِالهِجْرانِ مِنْها وَبِالصَّدِّ
تَغَرَّبْتُ عَنْ هِنْدٍ وَأَسْما وَزَيْنَبٍ
وعَنْ فَرْتَنٍ بَلْ عَنْ حَذامِ وَعَنْ دَعْدِ
وقُلْتُ لِنَفْسِي هَكَذا الدَّهْرُ حُكْمُهُ
عَلَى كُلِّ حالٍ يَعْقُبُ الضِّدَّ بِالضِّدِّ
وإِنِّي وَإِنْ طالَتْ حَياتِي لَمُوقِنٌ
بِأَنْ لَيْسَ لِي مِنْ سَكْرَةِ المَوْتِ مِنْ بُدِّ
أُعَلِّلُ نَفْسِي بِالأَمانِي لِتَنْجَلِي
عَنْ القَلْبِ ذِكْرَى ما أُلاقِيهِ فِي اللَّحْدِ
أَرَانا وَدُنْيانا لَدَيْها كأَنَّنا
طَرائِدُ لا نَرْجُو نَجاةً مِنَ الطَّرْدِ
أَحاطَتْ بِنا بِالجُنْدِ مِنْ كُلِّ جانِبٍ
ولَيْسَ عَلَيْها عِنْدَنا قَطُّ مِنْ جُنْدِ
خُذْ الحَزْمَ وَاحْذَرْ مِنْ قَوِيٍّ مُغالِبٍ
ومِنْ عاجِزٍ لا يَسْتَطِيعُ عَلَى رَدِّ
ولا تَحْقِرَنْ ذا وَهْنَةٍ وَتَمَسْكُنٍ
فَإِنَّ سَعِيرَ النَّارِ يُقْدَحُ مِنْ زَنْدِ
وإِنَّ سَبَا ما أُسِّسَتْ لِخَرابِها
ولا بَلَغَتْ فِيها سِوَى فأْرَةِ السَّدِّ
ويا رُبَّ مُبْدٍ بِالرِّضاءِ بَشاشَةً
وباطِنُهُ يَغْلِي بِهِ مِرْجَلُ الحِقْدِ
وقَدْ يَخْتَفِي جَمْرُ الغَضَى فِي رَمادِهِ
كَما يَخْتَفِي مُسْتَنْقَعُ السُّمِّ فِي الشَّهْدِ
إِذا المَرْءُ لَمْ يَحْوِ المَعالِي بِفِعْلِهِ
فَلَمْ تُغْنِهِ أَفْعالُ عَمٍّ وَلا جَدِّ
يَنالُ العُلا مَنْ فِعْلُهُ يُكْسِبُ العُلا
وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَزْرَجٍ أَو مِنَ الأَزْدِ
أَرَى النَّاسَ وَالرِّزْقَ المُقَدَّرَ لَمْ يَكُنْ
سَواءً لَهُمْ فِي حالَةِ السَّعْيِ وَالجَهْدِ
فَذلِكَ يأْتِيهِ بِكَدٍّ وَشِقْوَةٍ
وذلِكَ يأْتِيهِ هَنِيئاً بِلا كَدِّ
وإِنِّي لَسَيْفٌ باتِرُ الحَدِّ ما لَهُ
سِوَى الحِلْمِ وَالآدابِ وَالصَّبْرِ مِنْ غِمْدِ
بَلَوْتُ بَنِي الأَيَّامِ حَتَّى وَجَدْتُهُمْ
دَراهِمَ زَيْفٍ يُعْتَرَفْنَ لَدَى النَّقْدِ
ولَمْ أَرَهُمْ فِي العَيْشِ إِلاَّ بَهائِماً
ولَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ سِوَى البَطْنِ وَالعَرْدِ
ولَمْ أَرَ مِنْهُمْ غَيْرَ شانٍ وَغادِرٍ
تَغَذَّى بِأَلْبانِ الخِيانَةِ فِي المَهْدِ
يَلِجُّونَ فِي دَعْوَى المَعالِي سَفاهَةً
بِأَفْئِدَةٍ عُمْيٍ وَأَلْسِنَةٍ لُدِّ
ولا عَجَبٌ إِنْ لَمْ أُسَغْ فِي قُلُوبِهِمْ
فَما الجُعْلُ حَبَّابٌ لِرائِحَةِ الوَرْدِ
ولا طَلْعَةُ الشَّمْسِ المُنِيرَةِ إِنْ بَدَتْ
بِصالِحَةِ الإِقْبالِ لِلأَعْيُنِ الرُّمْدِ
فَدَعْهُمْ وَما يَحْوُونَهُ مِنْ يَسارَةٍ
فَلَيْسَ يَرُوقُ الطَّيْلَسانُ عَلَى قِرْدِ
فَلا تَطْمَعُوا أَنْ أَجْتَدِيهِمْ فَإِنَّنِي
لَمُقْتَنِعٌ عَمَّا لَدَيْهِمْ بِما عِنْدِي
سَأَرْفُضُهُمْ إِلاَّ أَبا العَرَبِ الَّذِي
أَقامَ المَعالِي بِالأَيادِي وَبِالأَيْدِ
فَحاشاهُ بَلْ حاشاهُ حاشاهُ إِنَّهُ
لَهُ خُلُقٌ كالنَّشْرِ مِنْ رَوْضَةِ الرَّنْدِ
فَتَىً عَنْ سِهامِ الذَّمِّ يَحْصُنُ عِرْضَهُ
مَكارِمُ تُغْنِي عَنْ مُضاعَفَةِ السَّرْدِ
سأَمْنَحُهُ مَدْحِي وَشُكْرِي لأَنَّهُ
حَقِيقٌ بِهذا المَدْحِ وَالشُّكْرِ وَالحَمْدِ
وأَقْصِدُهُ فِيما رَجَوْتُ لأَنَّهُ
إِمامُ لآمالِي الَّذِي جِهَةُ القَصْدِ
تَيَمَّمْتُهُ دُونَ الوَرَى فَوَجَدْتُهُ
سَخِيًّا سَمُوحاً بِالجَزِيلِ مِنَ الرِّفْدِ
لَقَدْ عَلَّمَتْهُ نَفْسُهُ وَاهْتِمامُهُ
قِراعَ العِدَى وَالجُودَ لِلضَّيْفِ وَالوَفْدِ
إِذا ما رَتَعْنا فِي ذُراهُ كأَنَّنا
رَتَعْنا مَعَ الرَّحْمنِ فِي جَنَّةِ الخُلْدِ!
هَدَيْتُ لَهُ مَدْحِي فَأَهْدَى رَغائِباً
ولا زالَ لِي يُهْدِي جَمِيلاً كَما أُهْدِي
زَعِيمُ الوَغَى فِي الحَرْبِ إِنْ هِيَ أَقْبَلَتْ
وجاشَتْ رِعالُ الخَيْلِ تُدْفَعُ بِالأُسْدِ
إِذا كَرَّتْ الفُرْسانُ وَاشْتَبَكَ القَنا
وحامَ الرَّدَى فَوْقَ المُطَهَّمَةِ الجُرْدِ
أَلا أَيُّها النَّاسُ افْقَهُوا ما أَقُولُهُ
ولا تُعْرِضُوا عَمَّا أَقُولُ وَما أُبْدِي
فَإِنْ قالَ مِنْكُمْ قائِلٌ إِنَّ مِثْلَهُ
جَوادٌ فَقَدْ قاسَ الهِزَبْرَ إِلَى قِرْدِ
فَلَيْسَ بُغاثُ الطَّيْرِ كالبازِ رُتْبَةً
ولَيْسَ الكَهامُ السَّيْفُ كالصَّارِمِ الهِنْدِي
سَحابُ النَّدَى مِنْ كَفِّهِ واكِفُ الحَيا
يَسِحُّ بِغَيْثٍ صادِقِ البَرْقِ وَالرَّعْدِ
فَمَنْ زارَهُ مُسْتَنْجِحاً فَقَدْ انْتَحَى
لإِنْجاحِهِ وَجْهَ السَّبِيلِ إِلَى القَصْدِ
وإِنِّي لِما يَحْوِي مِنَ الفَهْمِ وَاثِقٌ
بِأَنْ لَيْسَ يَكْبُو عِنْدَهُ أَبَداً زَنْدِي
ودُونَكَها غَرَّاءَ بِكْراً مَشُوقَةً
إِلَى وَجْهِكَ الزَّاكِي إِلَى الكَرَمِ العِدِّ
تَضَمَّنُ مِنْ سِحْرِ الكَلامِ غَرائِباً
تَغُورُ إِلَى غَورٍ وَتُنْجِدُ فِي نَجْدِ
فَباهِ بِها وَانْظُرْ إِلَى بَهَجاتِها
بِناظِرِ لُطْفٍ مِنْكَ لا ناظِرِ الزُّهْدِ
فَما لَكَ فِي شأْوِ المَفاخِرِ وَالعُلا
مُجارٍ وَلا فِي رُتْبَةِ المَجْدِ مِنْ نِدِّ
ولا زِلْتَ مَحْرُوسَ الجَنابِ مُتَوَّجاً
بِتاجِ المَعالِي راقِياً رُتْبَةَ المَجْدِ