سُئلتُ عن النُّحولِ أصابَ جسمي
فقلتُ: يُصدِّقُ الصَّبَّ النُّحولُ!
وعينٌ لا تكاد ترى نهارًا
كزهرٍ ماتَ سوَّدَه الذُّبولُ
فلا خِلًّا يُسَرِّي عن فؤادٍ
— إذا هبط المساءُ — له أُفُولُ
وفي نفسي ضجيجٌ بَكَّ مَتني
كما بَكَّتْ مساكنَنا المغُولُ!
ظلامٌ لا يُفارقني، كئيبٌ
أُحِسُّ الروحَ من عيني تسيلُ!
كأرضٍ جفَّتْ الأنهارُ فيها
فلا أكلاءُ فيها أو نخيلُ
ولا دِيَمٌ فيُسعِدُنا بُكاها
لقد حلَّ الخرابُ ولا رحيلُ
بكينا، وانتحبنا، واكتأبنا
فهل تُغني الكآبةُ والعويلُ؟
حُبِسْتُ كقوقعٍ أعمى عجوزٍ،
ضعيفٌ عاجزٌ أبدًا هزيلُ!
كصعلوكٍ بلا ساقٍ، خليعًا
أعيشُ، فكيف يا قومي أَصُولُ؟!
خُلِعتُ الليلَ فاعذرني رفيقي
أنا المسجونُ قُل لي ما السبيلُ؟!
فيا ثاراتِ أيامٍ تولَّتْ
وَوَا مُضَراه! كم لُجِمَتْ خيولُ!
فلا نصرًا ولا خُسرًا أصَبْنا
ولا دُقَّتْ لنا صُبحًا طُبولُ
ولا كَرًّا ولا فَرًّا، صَديقي
تكسَّرَتِ السيوفُ فلا صَليلُ
نَحَرنا الخيلَ كي نغدو بِطانًا
وعِزُّ القوم يَجلِبُه الصَّهيلُ!
يُكبِّلنا ابنُ عُرسٍ في شموخٍ
وكَبشُ القوم مطروحٌ قتيلُ!
كأن الناسَ — لو تدري — نساءٌ
وقد خُصِيَت ببلدتنا الفحولُ!
تَنَسْوَنَتِ الرجالُ وعُدَّ عيبًا
إذا لم يرضَ عنهنَّ الحَليلُ!
وعُمْري ضاعَ في شربٍ وحُبٍّ
وكم جُنَّت من الخمرِ العقولُ!
على أني — وإنْ ثَمِلًا — بصيرٌ
وخيرٌ من ذوي ضِغنٍ شَمولُ
فلا تَعذِلْ صديقًا يا صديقي
لعَمرُ الله ليس له بديلُ!
لَوَ انَّ الوصلَ راحتُه... ولكنْ...
له في عزلةٍ صبرٌ جميلُ
ولو أنَّ الفِراقَ أذًى لهانَتْ
ففقدُ أحِبَّتي موتٌ عَجولُ!
فدَع عنكَ الوصالَ تعِشْ طويلًا
وغَمُّ الواصلينَ هو الطويلُ!
أنا خِلوٌ نأى عنكم كنَجْمٍ
وليس لنَجمِ عاليةٍ نُزولُ
توحَّدْ تُبصِرِ الدنيا بعقلٍ
فزينتُها إلى عدمٍ تَئولُ
وذو عقلٍ بها أشقى فؤادًا
ولن يرضى بها إلا الجَهولُ