في قريتنا لم نعرف المدارسْ
لا كُتّابَ ولا دروسْ
كلُّ شيءٍ فيها قديمْ
أواني جدتي من نحاسْ
والناسُ غرقى في السباتْ
في بحرٍ من الظلماتْ
قال الرجالُ:
"أيَّ تعليمٍ تريدون؟
أتريدون إفسادَ الصبية والبنات؟
دَعونا في سباتِنا
في ظلامِنا
لا نريدُ ظُلْمَ الحكوماتْ
لا نبالي بمن ذهبْ أو من أتى
لن يكونَ تعليمٌ لبناتِ القريةْ
مَن يرعى الغنمْ؟
مَن يحرث الأرضْ؟
مَن يسقي البقراتْ؟
نحنُ فلاحونَ رعاةْ
نحنُ حفاةْ
والبلادُ في دوامةِ الأزماتْ
ما لنا وللتعليمِ يا أهلَ المدارسْ؟"
إلا رجلاً واحداً
كان كالنخلةِ شامخاً
كالفراتِ عطاءً
اسمرَ كالأرضِ الخصبةِ
يُشرقُ وجههُ كالبدرِ في الليالي الحالكاتْ
قال: "كلاّ
ذاك زمنٌ ولىَّ
سأبني مدرسةً
لو كلَّفتني عمري
لو كلَّفتني الحياةْ"
أبا خميسْ
يا أسدَ الغاباتِ
يا حصنَ الكراماتْ
شيّدتَ للجيلِ صرحاً
من طينِ القريةِ وأحلامِ الفلاحاتْ
أيقظتَ بالقلمِ العقولَ النائمةْ
كما أوصى الرحمنُ في آياتِه
أن يقرأ الإنسانُ
أن يكتبَ
أن يعلو بالعلمِ درجاتْ
بنيتَ للأجيالِ مدرسةً
أحييتَ فيها قلوباً كانت مواتْ
بالعلمِ أصبحنا نرى الدنيا
ونحنُ كنا في العمى نباتْ
يا من جعلتَ من الخرافِ تلاميذَ
ومن حقولِ القمحِ أوراقَ الحياةْ
ثم رحلتَ
يا سبعَ العطيةْ
يا من أعطيتَ بلا حدودْ
رحلتَ وتركتَ فينا حزناً
يبكي عليك الليلُ والنجومُ والعبادْ
ترقُّ لك العيونُ
وتجري الدموعُ كالأنهارْ
كنا نظنُّ الجبالَ لا تزولْ
فكيفَ بجبلٍ كان أصلبَ من صخورِ الأرضِ
غابَ عن العيونِ
وبقيَ في القلوبِ مكانة لا تحول
جميلك يا سبعُ ملحمةٌ
تكتبُ على جدارِ المجدِ حروفاً من نورْ
علَّمتنا أن العطاءَ هو البقاءْ
وأن الإنسانَ قد يموتُ
لكنَّ أفعالَه تبقى
كنخلاتِ القريةِ
لا تموتْ
سقاكَ اللهُ من جودِه
وذخراً من كرامِ الأكرمينا
أنتَ أبانا
ومعلّمُنا
وحينَ نذكرُك
نذكرُ أولَ حرفٍ تعلمناه
في مدرستِك
التي بنيتَها لنا
من طينِ القريةِ
ومن عرقِ الجبينْ
فكانت أعظمَ من قصورِ الملوكْ
وأغلى من كنوزِ السنينْ
يا سبعَ العطيةْ
نم قريرَ العينْ
فنحنُ اليومَ نقرأُ
ونكتبُ
ونعلمُ أطفالَنا
أن العلمَ نورْ
وأن مثلكَ
لا يموتْ
بل يعيشُ في كلِّ قلبٍ
كان يومًا في ظلامِ الجهلِ
فأشرقَ بالنورْ
من طين القرية ومن عرق الجبين
صرح من طين وعرق يبقى إلى الأبد