كنا صبيانًا وبناتٍ
في قرانا والأراضي خاويات
ما عرفنا معنى الحياة
حتى أدركنا أننا كنا رعاة
كانت قرانا تغفو في سبات
ببقعة يلفها الظلام
اسمها العراق
فيه عسكر وثورات
وشتّى الشعارات
فيه جوع وعراة
افترشنا أديم الأرض نلهو ونلعب
كأن دنيانا العروس بين آلاف البنات
أرضنا الحسناء شحّت فلا نبات
والماء فيها حاجات نادرات
كنا حفاةً وفريقًا أشباه العراة
والجوعُ يفتك بالرعاة
جاء المعلم من بعيد
فوهبنا قلمًا ودفترًا ومبراة
وانتهى درس القراءة
قال أبي: انشروا في الفلوات
وكيف والبطون خاويات؟
خرافنا البيض تولد جائعات
انتهى درس القراءة
هيا صبيان وبنات
ما غداؤنا اليوم؟
كسرة خبز وحفنة ثمرات
كانت جدتي خير مصدر للمودة
هي أول من أتى وآخر الضاعنات
في الظهيرة نستظل بالبستان
وفي المساء نستضيء بالفانوس أو ضوء القمر
وأبي ينشد فيشجينا السمر
بلبل يغنينا في السحر
وورقاء تغني بين أغصان الشجر
فانظروا: سبابتي تعزف فوق الناي أنغام الوتر
وابتهلوا لله يسقينا فيضًا من المطر
عسى أن ينثني آذار
آذار لابد أن يعود
والسماء فيه حتمًا ستجود
نستجير بالسماء ريثما تجود
ثم يأتي الغيث قطرة قطرة
وتنمو القطرات
وتسجع الورقاء فوق السمرات
تهتز الفلوات من هول الصواعق والرعود
وفي نيسان نجني من الوادي الكمأة
نفرح كطفل بعد بين أمه تعود
ثم نشكر السماء إذ تجود
لعبنا كالخيل في سباق
حتى يطويه المساء
بكينا حتى بان للفجر ضياء
حتى تولّتنا الوشاة
قالوا ثم قالوا
أوغروا صدر الولاة
ومشينا حتى ألقى دجلة حمله مع الفرات
هجرنا الدار طوعًا
فأفنينا العمر في أرض الشتات
عودي يا لجين فقد عاد الربيع
وأورق الكروم
أينعت ورود جوري أرجوانية
ريّا الشذا تفوح
عطر حالم يتغنى بأحلام الصبا
تُشفى به جراح العاشقين
أحضرت لك منها ثلاثًا:
أرجواني اللون من دمي المرسوم على شفاه الصبا
وزهري مثل صفاء الروح في نفس الحبيب المرتجى
وليلكي مثل أمانينا، نسمات تتهادى في الربى
الوادي يفوح من ألق الندى
ومن عذب الريح ونسمات الصبا
مثل أحلام المساء واعدًا بالرفاه والمنى
الخراف البيض رمز للسكينة
صاحب قطيع لا يشكو ضغينة
لا يجادل، لا ينافق، لا يطالب أن تعينه
خرافنا أصحاب، ليست نكرات
ولها أسماءٌ كأسماء البنات
كُنَّ أعلامًا، ولها بيوت منشآت
جمهرة من الخلق عزيزات كريمات
رعيناها ورعتنا سنوات
كل عام نصطلي بالحر
كشاة فوق كوم الجمرات
والحروب تحصد أعمار الشباب
كأنها الظلام تولد في المساء وتموت بالغداة
غفونا بعد تعب وعناء
وأبي يشدو لنا
والناي يصدح في المساء
ثم يجمع الفجر أطراف الضياء
ويؤذن الصبح بتوديع المساء
فصحنا ووجدنا أنه خلسةً حان الفراق
غفلة كانت كأحلام المنام
وداعًا أيها الأيام، وداعًا أيها الأحلام
ارتحل، ما بقي وُدٌّ يرام
تُهجر أوكار الطيور والحمام
ثم يجثم الظلام كوحش كاسر فوق الأنام
ترزح النفوس تحت وطأة الملام
وبالنفوس يزري السقام
ما أقسى على النفس صحبة القوم اللئام
نعم، لقد تفرقنا
مثل فلول من كتائب في الشتات