الظَّامِئِونَ عَلَى ضِفَافِ المَاءِ
وَالمُدقِعُونَ بِغَمرَةِ الآلَاءِ
اللَّاجِئِونَ عَلَىٰ تَنَائِفِ أَرضِهِم
يَتَلَمَّسُونَ سَمَاحَةَ النُّزَلَاءِ
البَاذِلُونَ قِرَى الشُّمُوسِ نُفُوسَهُم
وَالمُوقِدُونَ قُلُوبَهَم وَاللَّائِي
يَغزِلنَ قُمصَانَ العَنَاءِ بِطُولِ مَا
اتَّسَعَ المَدَى مِن رُقعَةِ الصَّحرَاءِ
النَّائِمُونَ عَلَىٰ العَرَاءِ وَإِرثُهُم
شَطُّ العَرُوسِ وَ مَرفَأُ السُّفَرَاءِ
المُنهَكُونَ وَلَا نَصِيرَ سِوَى الَّذِي
يَقتَصُّ لِلجَلحَا مِنَ القَرنَاءِ
شَاطَرتُهُم فَقدَ الحَيَاةِ فَلَم أَجِد
جَلَدَ التَّصَبُّرِ فَٱبتَدَرتُ رِثَائِي
بِدَمٍ تَأَجَّجَ كَالَّلدِيغِ وَزَفرَةٍ
حَرَّى تُصَارِعُ سَكرَةَ الإِغمَاءِ
وَفَمٍ عَلَىٰ قَلَقِ القَصِيدَةِ مُنهَكٍ
بِصَدَى الحَنِينِ، وَصَيهَدِ الرَّمضَاءِ
بِأَسَى ٱكتِرَاثِ النَّبضِ، بِالعَبَثِ الَّذِي
حُمِّلتُ مِن وَطَنِيَةِ الغُرَبَاءِ
بِشَقَاءِ مَا حَمَلَ السَّعِيدُ مِنِ ٱسمِهِ
وَالسَّعدُ قَد يَأتِي لِغَيرِ ثَنَاءِ
دَعوَى السَّعَادَةِ حِينَ يَعصِرُكَ الأسَى
دَعوَى البَصِيرِ بِمُقلَةٍ عَميَاءِ
دَارَت فَلَا أَدرِي أَدارُ إِقَامَةٍ
أَم تِلكَ دارُ قِيامَةٍ وَجَزَاءِ
وَكَأنَّمَا وُضِعَ الكِتَابُ وَسُعِّرِت
دُونَ الجَحِيمِ مَطَارِحُ البُؤسَاءِ
أَوَتَستَغِيثُ المَاءَ مُرضِعَةُ الوَرى
طُرًّا، وَتَظمَأُ جَارَةُ الدَّأمَاءِ!
وَيَضِيقُ بِالرَّحبِ الخِنَاقُ وَتَشتَكِي
رِئَةُ البِلَادِ تَنَفُّسَ الصُّعَدَاءِ!
وَالحَقُّ مَا سُجِرَت بِمَرِّ زَمَانِها
جَورًا ؛ وَلَا رُزِئِت بِخَطبِ بَلَاءِ
مِن حِقبَةٍ سَئِمَ الهَوَانُ هَوَانَها
وَٱستَوحَشَتَهَا بَسمَةُ البُسَطَاءِ
يَرِدُونَها المَوتَ الزُّؤامَ ولَم تَزَل
تَحنُو عَلَيهِم بِاليَدِ البَيضَاءِ
مِن كُلِّ مَن وَأَدَ الحَياةَ ليَبتَنِي
وَطَنًا مِنَ الأنقَاضِ والأشلَاءِ
السَّافِكُونَ مِنَ المَدَامِعِ وَالدِّمَا…
المُوغِرُونَ سَحَائِبَ الأنوَاءِ
قَومٌ وَقَانَا الله سُوءَ وُجُوهِهِم
فكَأنَّها خُلِقَت مِنَ الظَّلمَاءِ
وَغُبَارُ تَارِيخٍ مَشِينٍ خَانِقٍ
مُتَوَارَثُ الأوجَاعِ وَالأعبَاءِ
وَلَقَد حَكَاهُ أَبِي عَلَيَّ؛ وَمَا جَنَاهُ
أَبِي عَلَيَّ كَمَا يَظُنُّ الرَّائِي
لَو يُدرِكُونَ مَدَى ٱمتِدَادِ مَوَاجِعِي
نَصَبُوا خَرَاجًا لِاجتِداءِ بُكَائِي
فَالحَمدُ لِله الَّذِي بِجَلَالِهِ
جَعَلَ العَنَاءَ حَصِيلَةَ الشُّعَرَاءِ
يَا دَمعَ نَائِحَةِ القَصيِدِ، وَلَم أَجِد
إلَّاكَ نَائِحَةً عَلَىٰ الضُّعَفَاءِ
قَدَرُ القَصِيدَةِ أَن يُحَاصِرَها الأَسَى
كَالَّليلِ دُونَ حَقَائِقِ الأَشيَاءِ
فَأَنَا هُنَا أَلَمِي أَنَا تِريَاقُهُ
وَأَنَا هُنَا، شِعرِي أَنَا قُرَّائِي
وَأَنَا هُنَا الوَطَنُ المُمَزَّقُ شَملُهُ
بِيَدِ الرِّفَاقِ وَطَعنَةِ الفُرَقَاءِ
مَيْتٌ أَنَا كَالنَّاسِ إلَّا مِن فَمٍ
تَجنِي عَلَيهِ سَجِيَّةُ ٱستِعصَاء
طَورًا تُلَقِّنُهُ النُّبُوغَ وَتَارَةً
تُملِيهِ جَورَ غَيَاهِبِ السُّجَنَاءِ
حَاوَلتُ أَدَّرِئُ الرَّدَى مُتَوَسِلًا
بِفُتَاتِ مَا أَبقَت يَدُ اللَّاوَاءِ
وَدَفَعتُهُ سَبعًا عِجَافًا صَادِئًا
بِالمَاءِ مَاذَا بَعدَ غَورِ المَاءِ!
وَالآنَ مَن يَرتَدُّ أَنفَاسِي وَقَد
أَمسَيتُ مُختَنِقًا بِقَطعِ هَوَائِي!