عندما يهطلُ الليل،
يسكنُ الألمُ البيوتَ كضيفٍ ثقيل،
يستوي فيه الفقيرُ والغنيّ، والمؤمنُ والمنسيّ،
شوارعُ تغرقُ في صمتِ السكون،
وأخرى تُسامرُ الضوءَ حتى مطلعِ الصباح.
في زاويةٍ.. تعلو صرخةُ جوعٍ بكبرياءِ الصمت،
وفي بيتٍ آخر.. أجسادٌ ركَدت من تعبِ الحياة،
بينما يلفُّ الإيمانُ قلوباً آمنت، فاستدفأت بالرضا.
تحتَ مصباحٍ تراثيٍّ شاحب،
يقفُ سكيّرٌ يترنح، يضمُّ زجاجته كأنها طوقُ نجاة،
ينتحرُ عمداً لئلا يذكرَ خيانةَ عشيقةٍ..
وعدت بالبقاء، ثم هربت مع الموت!
طرابلس.. يا أحجاراً تاريخية تحرسُ المدى،
لا صوتَ يكسرُ عتمةَ ليلِكِ البهيم
سوى عواءٍ هنا ومواءٍ هناك.. يخبرنا أنَّ المدينةَ تنام.
ومع أولِ بصيصٍ..
يستيقظُ النهرُ في "الأساطر"، وتجري المياه للوضوء،
يصعدُ الأذانُ، فيفوحُ معه عبيرُ البنّ ليملأ الشوارع،
تستيقظُ الأفرانُ لتنفثَ دفئَها،
وتفوحُ رائحةُ الخبزِ الطازجِ و"السّمّون" والكعك.
تعانقُ رائحةُ "صابون الزيت" رذاذَ المطر،
ليمتزجَ ببردِ الشتاءِ وغبارِ المباني العتيقة،
وتعبقُ الشوارعُ برائحةِ "الزفير"،
ذلكَ الزهرُ الذي جعلَ من طرابلس "فيحاءَ" المدى.
تتشابكُ فوقَ الرؤوسِ أغصانُ الزيتونِ المبارك وأشجارُ البلحِ العالية،
لترسمَ بظلالِها حكايةَ مدينةٍ ترفضُ أن تشيخ.
يصيحُ الديكُ معلناً ولادةَ يومٍ جديد..
فيخرجُ الجيرانُ، والطلابُ، والعشاق،
وعلى ركنٍ من أركانِ المدينة، بخجلٍ وجرأة،
يُهدي عاشقٌ محبوبته وردة..
يستأذنُها في الذهاب، ليعودَ مع كلِّ طلوعِ فجر.