بكيتكَ حتى لم أدع للبكا حدّا
وفارقتُ حسْن الصبر والهَدْيَ والرُّشْدا
فداكَ الضّيا من ناظريَّ ومهجةٌ
تكابد نار الحزن بعدك والفقدا
فِداك دمي المسفوك من أجل موطني
فداك حياةٌ أصبحت بعدكم جَرْدا
فوا أسفي أن لا أكون مكفّنًا
بجنبك ذقتَ الموت والقبر واللحدا
ولو أنّني استشهدتُ في ساحة الوغى
جوارك يا رمزَ الفدا كان لي أجدى
ولولا الذي عاهدْتَنا في جهادنا
ونحن أناسٌ لا نخون لك العهدا
بأنّا نوالي في البلاد كفاحنا
ونجعل لاستنقاذها جسمنا مَعْدى
ونحمل ما دام الذماء سلاحنا
ونطرد من عاثوا بموطننا طردا
ولكنْ أذبتَ النفس حزنًا ولوعةً
وأجّجْت في قلبٍ كثير الأسى وقْدا
ألا أيّها المنشي جهادًا مقدّسًا
سيحصد أعداءَ الحمى المجتبى حصدا
تعالَ انظرِ الإخوان كيف تركتَهم
وكيف تركت الجند والأهل والوِلْدا
تعال انظرِ الأكباد كيف تفتّتتْ
تعال انظرِ الشعب الذي لطَّم الخدّا
تعال انظرِ الباكين حول ضريحكم
تعالَ فهذي أمةٌ حُشِدتْ حشدا
تعال انظرِ الذعر الذي ملأ الحمى
تعال انظرِ الفوضى التي اتّسعت جِدّا
تعال انظر الأنظار كيف تحوّلت
وكيف أبرُّ المخلصين لنا نَدّا
فراغًا عظيمًا قد تركتم وراءكم
وهيهات أن تلقى له أبدًا سدّا
لقد شُتّت الشّمل الذي قد جمَعْتَه
وقد فَرَط استشهادكم ذلك العِقدا
ألا أيّها الجنديْ الأمين لأمةٍ
فَداها بأغلى ما يُقدَّم أو يُهدى
أحلَّتكَ منها الصدر يا خيرَ من مشى
لحربٍ ومن قاد الجحافل والجندا
كما أسكنَتْكَ القلب من كل مؤمنٍ
فكنتَ بها نارًا تَأجَّجُ أو بَردا
ألا أيّها الساقي بلادك من دمٍ
طهورٍ زكيٍّ يُنبت العزّ والمجدا
رويدك قد أسرعت عنّا برحلةٍ
وقد روّع الإسراعُ موطنك الفردا
حنانيك قد خلَّفت بعدك أمةً
مفجّعةً ثكلى بها الحزن قد هدّا
تركت غيومًا في الحمى مكفهرّةً
وأبقيتَ جوّاً في سَماه قد اربدّا
قد استفحل الخطب الجسيم ولم نجد
خلاصًا لنا من مأزقٍ ذرَّ واشتدّا
كما استنسر القوم الذين تركتهم
بُغاثًا ضعيفًا فارق الحَوْل والأَيْدا
إذ استبشر الخصم اللئيم بموتكم
وشمّر مغترّاً بغلوائه زندا
فإن الذي خلَّفتمُ من يقينكم
وخطة حربٍ سوف تغدو له ردَّا