على العهد صبُّ جوىً مُتفانِ
يَبيت يُطالع لوحَ الأماني
تمرّ به الذكرياتُ فيأسى
لطيّ السنينَ وبعدِ المكان
فيرتاب لا من جفاءٍ وهجرٍ
ويرتاع لا من صروفِ الزمان
له اللهُ في أمره كم يقاسي
بِعادَ أحِبَّته ويُعاني
وقد بان ممّا انطوى في جَواهُ
حنينٌ إلى مصرَ ذاتِ الحنان
فكم كان يُطرب من ذكر مصرٍ
وذكرِ بنيها أُباةِ الهوان
ورابطةُ الودِّ من مُقتضاه
إخاءٌ تُوثّقه الأمّتان
إذا ذُكِر الشرقُ يهتزّ شوقاً
نُزوعاً إلى كلّ قاصٍ ودان
وهل يستقرّ ويسكن قَلْبٌ
على حالةٍ وهو في هَيمان
تَجلَّتْ طرابلسُ الغربِ لمّا
تَألّقَ في جَوّها الكوكبان
مُجدّدةُ الفنّ في مصرَ حقاً
بديعةُ من روعةٍ وافتنان
ونادرةٌ في سماء ذُراها
أميرةُ تلك الغواني الحِسان
سألتُهما من تكونان عفواً
وقد قالتا نحن شرقيّتان
طرابلسُ الغربِ قطرٌ شقيقٌ
وقطرُ الجزائرِ والمغربان
وتونسُ والشامُ والشرقُ طُرّاً
يؤدّي إلينا سلامَ التداني
فقلتُ أنا دُرّةٌ أنتِ، قالت
نعمْ وبديعةُ قلتُ كفاني
ففي كلّ شرقيّةٍ يتباهى
بها الشرقُ لا شكّ خاصيّتان
جمالُ الطبيعةِ في حُسْنِ ظرفٍ
وتتبع نكتَتها النُّكتتان
أممدوحةَ الفيلسوفِ الزهاوي
ونادرةً شمسَ عصرِ التهاني
ونافثةَ السحرِ عند الكلامِ
وفاضحةً فكرَها بالبَنان
فقد يُعْذَر الشيخُ عند التصابي
كما يُعذر الطفلُ قبل الثمان
ظننتُكِ قبل الجوابِ ملاكاً
وحوريةً من بنات الجِنان
إذا أنتِ ممدوحةٌ للرصافي
أميرِ القوافي طليقِ اللسان
أراني ذُهِلتُ وبانَ ذهولي
لظنّيَ أنكما ظبيتان
عجبتُ لحالي وما قد جرى لي
فأمري غريبٌ وصبري وشاني
فإنْ خان عند المناجاةِ سمعي
فحولي على الأيكِ عصفورتان
قنعتُ بأنشودةٍ للفؤادِ
إذا أنتما اليومَ أنشودتان
وهذا مَحَلُّكما فأقيما
على الرحب في شرفٍ وأمان
أقيما فما بكما اليومَ أُنسي
وزادُ انشراحي بكلّ المعاني
وإنْ لم أبنْ لكما عن مَرامي
فإن المبينَ أميرُ البيان
عباقرةُ الشرقِ في كلّ علمٍ
وفي كل فنٍّ لهم خصلتان
نزاهةُ قولٍ وعفَّةُ نفسٍ
هما في النوابغ نادرتان
فَدُوما على عِشرةٍ في صفاءٍ
دواماً يحاكيكما الفرقدان
فإنكما اليوم في كل شعب
وفي كل قلب لمحبوتبان
ولا زلتما في ارتحال وأوب
على السعد ما بقي الملوان