سَرى الطّيفُ شامِيّاً فأسهَرني السَّحَر
ومَن لاقَ ما لاقيتُ لا غَرْوَ إن سَهَر
وَسَاوِسُ مَا تَنْفَكُّ عَنِّي وَلَوْعَةٌ
مِنَ الحُبِّ مَا تَفْنَى مَعَ الدَّهْرِ وَالكِبَرْ
وَعُقْدَةُ وَجْدٍ مَا تُحَلُّ وَنَزْعَةٌ
لِمَنْ هِيَ تَلْقَى صَفْوَ وُدِّيَ بِالكَدَرْ
فَلَوْ أَنَّ مَا بِالعَيْنِ بِالسُّحْبِ أَمْطَرَتْ
وَلَوْ أَنَّ مَا بِالقَلْبِ بِالصَّخْرِ لَانْفَجَرْ
أَمَانٌ فَتَفْجِيعٌ، وَوَصْلٌ، فَفُرْقَةٌ
تُكَشِّفُ مَا أَكْنَى الفُؤَادُ وَمَا أَسَرْ
وَلَسْتُ أُبَالِي إِنْ أَمِنْتُ وِصَالَهَا
أَطَالَ الزَّمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ أَم قَصَرْ
وَمَا دَامَ مَنْ يَهْوَاهُ قَلْبِيَ حَاضِرٌ
فَلَسْتُ أُبَالِي مَنْ تَوَلَّى وَمَنْ حَضَرْ
وَكَائِنْ أَرَى مِنْ غَادَةٍ حَضْرَمِيَّةٍ
تُغَازِلُنِي بِالقَوْلِ طَوْراً وَبِالنَّظَرْ
فَأَصْرِفُ عَنْهَا الطَّرْفَ لَا مِنْ تَعَفُّفٍ
سِوَى أَنَّ قَلْبِي رَهْنُ أُخْرَى مِنَ الأُخَرْ
وَمَاتَ ابْنُ عَجْلَانٍ وَعُرْوَةُ فِي الهَوَى
وَمَجْنُونُ لَيْلَى وَالمُرَقِّشُ فِي السَّفَرْ
لَقَدْ نَهَجَ الأَسْلَافُ فِي العِشْقِ نَهْجَهُمْ
وَكَانَ عَلَى الأَخْلَافِ أَنْ يَتْبَعُوا الأَثَرْ
ثَلَاثَةُ أَعْوَامٍ مِنَ الحُبِّ صُرِّمَتْ
وَلَمْ أَقْضِ مَا مَنَّيْتُ نَفْسِيَ مِنْ وَطَرْ
ثَلَاثَةُ أَعْوَامٍ مَرَرْنَ بِمُرِّهَا
وَحُلْوِ لَيَالِيها عَلَى النَّفْعِ وَالضَّرَرْ
وَلَمْ أَلْقَ مِنْهَا غَيْرَ مُرٍّ مَتَى أَقُلْ:
غَداً لِيَ مَحْلُوٌّ... فَإِذْ بِغَدٍ أَمَرْ!
إِلَى أَنْ تَسَاوَتْ غَدْوَتِي بِعَشِيَّتِي
وَسَاوَى رَبِيعُ الأَوَّلِ الشُؤمَ مِنْ صَفَرْ
فَهَلَّا يُسَلَّى القَلْبُ عَنْهَا وَيَرْعَوِي؟
أَمِ القَلْبُ مَطْبُوعٌ عَلَى الوَجْدِ وَالذِّكَرْ؟
فَقُلْ لِابْنَةِ الشَّامِ الصَّرُومِ بِأَنَّنِي
لَوَاصِلُ وَصَّالي وَهَاجِرُ مَنْ هَجَرْ
وَمَا أَنَا سَالِ القَلْبِ عَنْهَا بِغَيْرِهَا
وَلَا بِمُدَامٍ أَوْ بَعَضْبَاءَ كَالذَّكَرْ
وَلَكِنْ سَأَهْجُو طَالِباً كَانَ رَاسِباً
لَدَيَّ مِنَ الطُّلَّابِ فِي الشِّعْرِ مَا ظَفَرْ
وَظَنُّوا بِأَنِّي عَاجِزٌ عَنْ هِجَائِهِ
وَلَمْ يَعْرِفُوا اللَّيْثَ الهَصُورَ إِذَا زَأَرْ
أَلَا أَيُّهَا الهَاجِي رُوَيْدَكَ إِنَّمَا
تَبَادَرْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْهُ عَلَى خَبَرْ
نَبَحْتَ فَلَمْ أَأْبَهْ بِنَبْحِكَ لِي وَمَا
نُبَاحُكَ إِلَّا نَبْحُ كَلْبٍ إِلَى قَمَرْ
فَأَمَّا فَفَخْرِي فَخْرُ حِمْيَرَ يَافِعٌ
أُسُودٌ لَدَى الهَيْجَا وَفَخْرٌ لِمَنْ فَخَرْ
وَيَافِعُ هُمْ أَسْمَى شَمَارِيخِ حِمْيَرٍ
وَأَسْمَى المَلَا رَغْماً عَلَى أَنْفِ مَنْ نَكَرْ
وَلَوْ كُنْتَ مِنَّا أَنْتَ مِنَّا مُهَجَّنٌ
وَفِي كُلِّ قَوْمٍ شَامِخٍ، سَافِلٌ صَغَرْ
فَقَوْمُكَ أَسْيَادٌ كِرَامٌ أَشَاوِسٌ
وَحَظُّكَ مِنْهُمْ حَظُّ سَطْلٍ مِنَ المَطَرْ
وَلَوْ كَانَ يَدْرِي حِمْيَرٌ أَنَّ نَسْلَهُ
مُخَلَّفْكَ.. لَمْ يُخْلِفْ بِأُنْثَى وَلَا ذَكَرْ
فلا لكَ فخرٌ في ميادينِ حِمْيَرٍ
ولا لكَ فخرٌ في نِزَارٍ ولا مُضَر
فَعَنْكَ تَعَرَّى الحَمدُ وَالمَجدُ وَالنَّدَى
وَمِنْكَ تَبَرَّى البَدْوُ وَالحَضَرُ وَالغَجَرْ
مَتَى ذَكَرُوكَ سَاءَ ذِكْرُكَ سَمْعَهُمْ
وَقِيلَ: كَرُمْتُمْ أَيُّهَا النَّفَرُ الأَغَرْ
فَأَنْتَ كَكَلْبٍ أَجْدَعِ الأَنْفِ أَعْمَهٍ
فَلَا هُوَ ذُو شَمٍّ وَلَا هُوَ ذُو بَصَرْ
فَخُلِّفَ فِي البَيْدَاءِ لَا يَبْتَغُونَهُ
لِصَيْدٍ وَلَا حِرْزٍ لِدَارٍ وَلَا مَمَرْ
وَأَمَّا فَدِينِي لَسْتُ عَبْداً مُذَلَّلاً
وَهَلْ يَسْتَوِي العَبْدُ المُذَلَّلُ عِنْدَ حُر؟
فَإِنِّي أَنَا الحُرُّ الَّذِي تَعْرِفُونَهُ
كَفَرْتُ بِرَبِّ الكَوْنِ وَالجِنِّ وَالبَشَرْ
فَلَسْتُ بِصَوَّامٍ أَصُومُ عَلَى طَوَى
وَلَسْتُ بِقَوَّامٍ أَقُومُ إِلَى السَّحَرْ
وَلَسْتُ بِحَجَّاجٍ أَطُوفُ بِكَعْبَةٍ
وَأَجْمَعُ أَحْجَاراً لِأَرْجُمَهَا حَجَرْ
وَإنَّكَ عَبْدٌ رَاكِعُ الظَّهْرِ خَاضِعٌ
لِرَبِّكَ مَوْثُوقُ الوَثَاقِ وَمُحْتَقَرْ
وَأَمَّا فَشِعْرِي لَسْتَ بَالِغَهُ وَلَا
مُقَارِبَهُ إِلَّا كَوَلْغِكَ مِنْ بَحَرْ
وَلَا أَنْتَ رَغْمَ الجُهْدِ بَالِغُ خَالِدٍ
وَلَا بَالِغٌ عَبْدَ العَزِيزِ إِذَا شَعَرْ
فَلَا أَنْتَ ذُو وَزْنٍ يَزِينُ سَمَاعَهُ
وَلَا أَنْتَ ذُو مَعْنىً يَرِقُّ فَيُدَّكَرْ
وَتَسْرِقُ أَبْيَاتِي وَثَمَّ تَسُبُّنِي؟
فَإِنَّكَ تِلْمِيذٌ مُعَلِّمَهُ نَكَرْ!
كَأَنَّكَ تَرْمِينِي بِسَهْمٍ نَصَلْتُهُ
وَأَهْدَيْتُهُ إِيَّاكَ، هَلْ هَكَذَا الشُّكُرْ؟
فَإِنِّي امْرُؤٌ أَغْدَقْتُ بِالجُودِ صُحْبَتِي
وَمَنْ ذَا يَرُدُّ الغَيْثَ وَالغَيْثُ مُنْهَمِرْ؟
تَذَكَّرْ، تَذَكَّرْ... بَعْضَ جُودِي وَمِنَّتِي
عَلَيْكَ إِذَا كُنْتَ امْرَأً تَذْكُرُ العِشَرْ
وَإِلَّا تَسَتَّرْ، وَاحْفَظِ الوَجْهَ مَاءَهُ
وَلَسْتُ أَرَى فِي النَّاسِ مِثْلَكَ يَسْتَتِرْ
وَمَا أَنَا رَاجِي الخَيْرِ مِنْكَ فَإِنَّنِي
لَأَيْأَسُ فِيكَ مِنْ خُنَاسٍ عَلَى صَخَرْ
وَلُكِنْ لَعَلَّ النُّصْحَ يَنْفَعُ مُبْصِراً
وَقَدْ يَنْفَعُ النُّصْحُ الصَّحِيحُ ذَوِي البَصَرْ
وَإِنِّي لَذُو شِعْرٍ يُحَلِّيهِ مَنْطِقٌ
إِذَا صِيغَ فِي صُمِّ الصَّفَا ارْفَضَّ بِالصُّوَرْ
لِذَا فاشْكُرَنِّي أَنْ هَجَوْتُكَ إِنَّمَا
هِجَائِيَ أَعْلَى شَأْنَكَ السَّافِلَ القَذِرْ