تَنَادَيْتُ فَجْراً مِنْ مَكَانٍ بَعِيدِ
نِدَاءَ خَيَالٍ مِنْ حَبِيبٍ فَقِيدِ
خَيَالُ لُجَيْنَ إِذْ بَدَتْ لِيَ خُلْسَةً
وَمَا اعْتَدْتُهَا تَأْتِي سِوَى برُقُودِي
عَلَى أَنَّ سُكْرِي أَوْهَمَ الْعَقْلَ طَيْفَهَا
فَلَمَّا تَلَاشَتْ قُلْتُ: وَيْحَكِ عُودِي!
شَرِبْتُ لَعَلِّي أَنْ أَرَاهَا مُجَدَّدًا
فَلَمْ يُغْنِ عَنِّي السُّكْرُ وَالْعَقْلُ مُودِ
إِذَا مَا لَقِيتُ فِي الْمَنَامِ حَبِيبَتِي
تَمَنَّيْتُ فِي حُلْمِ اللِّقَاءِ خُلُودِي
فَيَا لَيْتَ أَحْلَامَ الْمَنَامِ حَقِيقَةٌ
وَيَا لَيْتَ مَنْ أَهْوَاهُ غَيْرُ بَعِيدِ
وَطَفْلَةِ بَدْوٍ تَيَّمَتْنِي بِمُقْلَةٍ
وَهَى دُونَهَا قَلْبِي وَرَثَّ جَدِيدِي
تَرَيَّثُ كَالصَّبَّابِ تَمْشِي حَلِيمَةً
وَتُسْبَى بِهَا الأَلْبَابُ سَبْيَ الْعَبِيدِ
وَمِنْ شَفَقٍ بِالثَّغْرِّ زَاهٍ مُوَرَّدٍ
تُقَبِّلُنِي فِي مَبْسَمِي وَخُدُودِي
وَعجْزٍ إِذَا وَلَّتْ كَأَنَّ ارْتِجَاجَهُ
تَزَلْزُلُ كُثْبٍ أَوْ تَمَايُلُ عُودِ
وَناكِرَةٍ أَكْرَمْتُها وَبَرَرْتُها
فَجازَتْ جَميلِي بِالجُحودِ وَجُودِي
تَرَى النَّاسَ لَا تَدْرِي بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ
وَلَوْ حُمِدُوُا فِي كُلِّ نَادٍ عَتِيدِ
فَكَمْ رَجُلٍ فِي النَّاسِ يُحْمَدُ ذِكْرُهُ
وَيُكْتَبُ عِنْدَ اللهِ غَيْرَ حَمِيدِ
وَكَأْسِ مُدَامٍ لَا أُوَدُّ فِرَاقَهَا
تَسَلَّيْتُ عَنْ هَمِّي بِهَا وَشديدِي
أُنَازِعُهَا صَحْبِي كُؤُوساً نُدِيرُهَا
وَنَشْرَبُهَا شُربًا كَشُربِ يَزِيدِ
عَلَى أَنَّنَا فِي شَهْرِ صَفْرٍ كَأَنَّنَا
مِنَ السُّكرِ فِي أُنْسٍ وَفَرْحَةِ عِيدِ
إِذَا صَبَنَ الصَّبَّابُ قُلْنَا لَهُ أَنِلْ
وَزِدْنَا وَلَا تَبْخَلْ بِأَيِّ مَزِيدِ
وَرَفْرَافِ نَهْرٍ طَارَ تحْسَبُ لَوْنَهُ
مِنَ النَّهْرِ مَصْبُوغاً بِلَوْنٍ فَرِيدِ
جَنَاحَاهُ مَخْضُوبَانِ لَهْقاً وَزُرْقَةً
وَأَطْرَافُهُ سَوْدَاءُ مِثْل الْعَبِيدِ
وَمِنْقَارُهُ حَادٌ شَطِيبٌ كَأَنَّهُ
فِرِنْجِيُّ هِنْدٍ فَاصِلٌ لِلْوَرِيدِ
يُحَلِّقُ مِنْ غُصْنٍ وَيَهْوِي لِغَيْرِهِ
وَيُطْرِبُنَا فِي شَدْوِهِ وَالْغَرِيدِ
فَهَيَّجَ لِي ذِكْرَى لُجَيْنٍ فَشَاقَنِي
هَوَاهَا عَلَى بُعْدٍ وَطُولِ صُدُودِ
أَأَشْكِي الْجَوَى! مِنْ بَعْدِ أَسْرِيَ فِي الْهَوَى؟
كَأَنِّيَ قَيْنٌ يَشْكُ حَرَّ الْحَدِيدِ
فَإِنِّي لَرَاضٍ فِي الْهَوَى بِعَذَابِهَا
وَإِنَّ عَذَابَ الْحُبِّ عَذْبُ الْوُرُودِ
أُحِبُّكِ حُبّاً يَا لُجَيْنُ وَإِنَّنِي
لَأَعْلَمُ حَقّاً قَدْ نَسِيتِ عُهُودِي
سَلامُ سَلامٍ مَا هَمَى الْغَيْثُ وَابِلًا
عَلَيْكِ وَمَا الرَّفْرَافُ نَاحَ بِعُودِ