ويحَ الغريبِ وكلّ شيءٍ مُبْهَمٌ
إلا السَّرابُ يلوحُ في شطآنهِ
مَنْ عاشَ حُرّاً في النعيم بغربةٍ
يا ويَلهُ إنْ غابَ عنْ أوطانهِ
ما أتعسَ الطيرَ الجريحَ إذا ارتمى
مُتحسِّراً أسفاً على ألحانهِ!.
وربَّ قريبٍ بالأصول قريبُ
ولكنْ بإحساسِ القريبِ غريبُ
ومَنْ كانَ ذا عُقمٍ بكلِّ جذورهِ
فهلْ تثمرُ الأغصانُ، وهْو جَديبُ؟!.
كفُّ الرَّدى إنْ همَّ يَلطمُني
لا تحزنوا، فالكفُّ يُكرمُني
كمْ متُّ لمْ يشعرْ هنا أحدٌ
وصُلبتُ مِمَنْ ليسَ يَفهمُني
أمسيتُ أشلاءً مبعثرة
والرِّيحُ للمجهول تُسْلمُني
مَنْ كانَ صِرفَ الودِّ يثلجني
أيظنُّ غيرَ الودِّ يُضرمُني؟!
قدْ شفَّ قلبي عن مُداهنةٍ
وكتمتُ ما بالجرحِ يؤلمني
وسَجيَّتي عفويَّةُ صَفحتْ
عنْ كلِّ من في الأرضِ يَظلمني
ليْ همسةُ النجوى تموسقني
وبريشةِ الإحساسِ ترسمني
وشرارةُ الرُّوحِ التي انطفأتْ
بغرائبِ الأوهام توهمني
لا تعجبوا من جذوةٍ خمدتْ
وغدتْ رمادا كيفَ تلهمني
إني لأسمو فوقَ دائرةٍ
هيهاتَ تطحنني وتهزمني.
وسألتُ عنكِ الغائبينَ فما أجابوا،
وهرعتُ أسألُ في جموعِ
الحاضرينَ هناكَ غابوا،
وبقيتُ وحدي أمضغ الخيباتِ
أجترّ الدروبَ، ولا جوابُ
لا تخدعيني يا طيوفَ الليلِ،
والدّنيا استبدَّ بها الخرابُ
ما عادَ للإنسانِ إلا شهوتانِ ومخلبانِ،
فما القصيدةُ كيفَ تفلتُ
حينَ تنقضُّ الذئابُ؟!.
كلُّ الدروب مُعبَّده
والعابرونَ بلا عباده
ومعي الطريقُ ملبَّده
بالطينِ تغمرُها السعاده
دربُ الطليقِ مقيَّده
وكذا العبيدُ لهم سياده.
ولمَّا كنتَ يا زمني تراني
بحثتُ عن الزمانِ فلم أراهُ
وبعتُ العمرَ أثمنهُ ببخسٍ
فيا ويلي إذا النذلُ اشتراهُ
زماني من مكاني كمْ رماني
ونسري لا يحِّلقُ في ذراهُ
ولي قلمٌ سقيمٌ هل يُداوى؟!
وجورُ الدهر ما يبري براهُ
وشعري كانً عذبا سلسبيلا
فكيفَ النبعُ جفَّ وما اعتراهُ؟!
ولي شجرٌ بخضرتهِ خيالٌ
ذوى واصفرَّ مذ نزحتْ رؤاهُ
فيا وادي الخيالِ وظلَّ روحي
يموتُ الصوتُ كي يحيا صَداهُ
عذارى الليل موسيقا الحيارى
يراقصها الحنينُ إلى سواهُ
وربَّاتُ الجمالِ تفيضُ عطرا
فإن همستْ سَتَحْمَرُّ الشفاهُ
شعوري ما تبرعمَ من جذوري
غريبا صارَ دوحي عن ثراهُ
زرعتُ الوردَ في رملِ الصحارى
سوى ينبوعِ دمعي ما رواهُ
وطيرُ الشعر في قفصي أسيرٌ
متى أغزو بأجنحتي فضاهُ؟!.
دعوني أزرعِ الأشجارَ حُبَّا
ويا فرحي إذا غيري جَناهُ.