قَدْ جَاءَنَا الصَّوْمُ فِي أَيَّامِ تِشْرينِ
فَمَنْ تُرَى فيه عَنْ هَمِّي يُسَلِّينِي
أَصْبَحْتُ عَنْ حَمْلِيَ الكَاسَاتِ مُعْتَزِلاً
كُرْهًا عَلَى أّنَّ لا إِكُرَاهَ فِي الدِّينِ
وَإِنَّمَا جَاءَ فِي فَصْلٍ يَطِيبُ بِهِ
لعبُ الرِّيَاحِ بأَعْطَافِ الرَّيِاحِينِ
وَالمَاءُ قَدْ رَقَّ مِنْهُ جِسْمُهُ وَصَفَا
كَأَنَّهُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِ مَحْزُونِ
وَالشَّمْسُ قَدْ ضَرَبَتْ أَيْدِي الرِّيَاحِ لَهَا
رُكْنَ الغَمَائِمِ أَمْثَالَ الصَّوَاوِينِ
وَالقُضْبُ قَدْ ذُهِّبَتْ أَوْرَاقها وَثَنَتْ
أَعْطَافَهَا بَيْنَ تَحرِيكٍ وَتَسْكِينِ
وَالطَّيْرُ يَصْدَحُ مِنْ بَيْنِ الغُصُونِ لَنَا
وَالعُودُ يُفْصِحُ مِنْ بَيْنِ البَسَاتِينِ
وَغَادَةٍ بَضَّةِ الأعطافِ تَمْزِحُ لِي
كَاسِي وَتَشْرَبُهَا عِنْدِي وَتَسْقِيِني
أَيَحْسُنُ الصَّبْرُ عَنْ هذا أَيَجْمُلُ بِي
تَرْكُ المُدَامِ وَهَجْرُ الخُرَّدِ العِينِ
لا والذي بَعْدَ عِيدِ الْفِطْرِ يَجْمَعُ مَا
بَيْنَ النَّدَامَى عَلَى وَرْدٍ وَنَسْرِينِ
وَمُذْ تَيَقَّنْتُ أَنَّ اللهَ يُعْقِبُنِي
خَيْرًا وَأَجْرًا عَلَى صَوْمِي وَيَجْزِينِي
أَخْلَصْتُ للِصَّوُمْ مِنَّي نِيَّةً حَسُنَتَ
لَهُ وَفِي الصَّدْرِ مِنِّي قَلْبُ مَغْبُونِ
هذا وَلَوْلا تقي الدَّينِ تَغْمُرُنِي
جَدْوَاهُ رُحْتُ بلا دُنْيَا ولا دِينِ
مَلْكٌ تَصَرَّمَ مِنْ بَأْسٍ وَمِنُ كَرَمٍ
وَصُوِّرَ النَّاسُ مِنْ مَاءٍ وَمِنْ طِينِ
تَمَنَّ عَفْوًا بلا مَنٍّ فَقَاصِدُهُ
يَفُوزُ مِنْهُ بِأَجْرٍ غَيْر مَمْنُونِ
تَشْكُو خَزَائِنُهُ الإفلاسَ من يَدِهِ
وَالبَذْل لَوْ أَنَّ فِيهَا مَالَ قَارُونِ
نَجْلُ الملوكِ وأبناءُ الملوكِ وَقُلْ
من السَّلاطينِ أولادِ السَّلاطِينِ
يَسْطُو وَيَصْفَحُ عَنْ بَأْسٍ وَعَنْ كَرَمٍ
مثْلَ المُثَقَّفِ بَيْنَ الشَّدِّ وَاللِّينِ
يَغْشَى الْوَغَىَ فَتَرَى الأبطالَ وَاجِبَةً
عَلَى الثَّرَى بَيْنَ مَضْرُوبٍ وَمَطْعُونِ
بِكُلِّ أَسْمَرَ لَدْنِ الْقَدِّ مُعْتَدِلٍ
وَكُلِّ أَبْيَضَ مَاضِي الحَدِّ مَسْنُونِ
إذا نَطَقْتُ بِمَدْحٍ فِي خَلائِقِهِ
نَشَرْتُ أَنْفَاسَهُ عَنْ مِسْكِ دَارِينِ
يا ابْنَ الأَطَايِبِ وَالأُسْدِ الضَّوَارِبِ بِالْ
بِيضِ القَوَاضِبِ وَالغُرِّ المَيَامِينِ
تَهَنَّ بِالصَّوْمِ يَا ابْنَ الأَكْرَمِينَ وَدُمْ
فِي طِيبِ عَيْشٍ بِأَمْنِ النَّفْسِ مَقْرُونِ
لا زالَ دَهْرُكَ بالأَعْيَادِ مُتَّصِلاً
وَطُولُ عُمْرِكَ مِنْ حِينٍ إِلَى حِينِ