وَصَحَا الغريبُ، وقد نأَى بَلَدُهْ
فهَوَى عليهِ كصخرةٍ جَلَدُهْ
وأَراد أَن يَضعَ اسمَهُ.. فهوَت
يَدُهُ.. وأَنكَرَ وَجهَهُ جَسدُه
وبَدَا كأَنَّ لِكُلِّ خاطِرةٍ
صَخَبًا يقول: غدًا ستَفتقِدُه
وغَدًا يُحيلُكَ شَوقُهُ جَسدًا
تَلَفُ الفؤادِ أَخَفُّ ما يَجِدُه
فمَهاجِرُ السَّبَئِيِّ ما بَرِحَت
بخَرابِ مَسقَطِ رأسِهِ تَعِدُه
ورُؤَى (طَرِيفةَ) لم تزل عَرِمًا
مُقَلٌ حَصاهُ، وأَنفُسٌ زَبَدُه
وعلى (ابنِ عامرَ) أَن يَفِرَّ إلى
أَجَلٍ.. يَموتُ وما انتهى أَمَدُه
وعلى القرودِ بأن تَسُودَ إذا
تَرَكَ العَرِينَ مَغارةً أَسَدُه
وعلى القيامةِ أن تقومَ، وما اب
تَسَمَ (السعيدُ)، ولا اشتَفى كَمَدُه
أَفَكُلَّما بَكَتِ البلادُ أَبًا
قَطَعَ البُكاءَ مُوَدِّعًا وَلَدُه!
وعلى الجدارِ خَبَت ملامحُهُ
وأَشابَ لونَ إطارِها سَهَدُه
وبَكَت عليهِ عيونَها امرأةٌ
تَصِفُ ابنَها.. وكأنها تلِدُه
ولو استطاعَ سَماعَها لَبَكَى
دَمَ قلبِهِ، وتَرمَّدَت كَبِدُه
ولوَ انّهُ بسِوى السّرابِ رأى
وَشَلًا.. لَأَقبَلَ زاحِفًا يَرِدُه
فمِن التغرّبِ أَن تَعودَ إلى
بَلَدٍ يَزيدُكَ غربةً نكَدُه
أَبَتِ الإقامةُ أَن تَطيبَ لمن
بيدِ الإمامةِ أَمسُهُ وغدُه
حُرَقُ المُهاجِرِ لا تُضِيءُ، ولو
حَمَلَ النجومَ قلادةً رَغَدُه
لكَ موطنٌ خُلِقَت يَداكَ له
فعَلامَ عندَ سواهُ تَجتهِدُه!
وإلَامَ يا ابنَ أَبِيكَ تُطلِقُ مَن
يَضَعُ القيودَ له ويَضطهدُه!
أيَطِيبُ عَيشُكَ إن خَذَلتَ أَبًا
وعليكَ وَحدَكَ كان مُعتمَدُه!
فإذا المشِيرُ هَوَت أصابعُهُ
وعلى العقيدِ تكالَبَت عُقدُه
وإذا الصّراعُ غدَا على وَطنٍ
فسِلاحُ مَن فَقَدَ السلاحَ يَدُه