تخطَّ إلى المحتوى

أنصت لوحي الوجد بين الضلوع

غير معروف

٩٨ بيت

المتفرقات

أنصِتْ لوحي الوجدِ بين الضلوعْ

واصرفْ عن القلب ظنونَ الجموعْ

واستَبقِ الشيبَ قُبَيلَ المدى

وَأْنَسْ بهِ قبلَ انطفاءِ الشموعْ

لا يُبصِرُ الجَمالَ إلّا الجَنانْ

أَلا فَكَحِّلْ عينَهُ بالحِسانْ

فأملأْ كؤوس العِشقِ في حينِها

فكُلُّ سِحرٍ غيرُهُ فَهْوَ فانْ

يا حيرَتي في تيهِ لَغزِ الهوى

مُذ سَلَبَ اللُّبَ وقلبي اكتوى

ألقيتُ أم ألقى بمرساتهِ

أم شاءتِ الصدفةُ ليست سوى

هاتِ اسقنيها من رضاب المِلاحْ

نشواً بها قبل انسلالِ الصباحْ

لا يهنأ العيشُ بلا نشوةٍ

فالفُلْكُ لا تجري بغيرِ الرياحْ

الهمُّ يطوي العمرَ طيَّ الكتابْ

وهل لِنَفْحاتِ الصِّبا من إيابْ

هيتَ نُساقي اليومَ خَمرَ الصِّبا

لا يرجعُ العمرُ بلونِ الخِضابْ

يحلو رنينُ الكأسِ بعد المغيبْ

فاعرضْ عن النومَ وناجِ الحبيبْ

يومُكَ ذا فاغنِمْ صباباتِه

هل غدُكَ الآتي سيأتي رطيبْ؟

فوقَ شِفاهِ الغيدِ آثارُنا

وبينَ سِحرِهِنَّ أسفارُنا

أَفِقْ من الغفوةِ من قبلِ أنْ

تصحو على الخيبةِ أبصارُنا

لبستُ في العيشِ صِنوفَ الثيابْ

وذقتُ صافي الشهدِ فيهِ وصابْ

لا تعتبِ الدهرَ على طبعهِ

فكلُّ آتٍ في طريقِ الذِهابْ

ما بينَ أحكام القضا والقَدَرْ

كم ضلَّ في تَيهِ الظنونِ البشرْ

قد وازَنَتْ بينهما حكمة

مَنْ شَطَّ في معنى (البَدا) في خطرْ

في غايةِ العيشِ نِزاعُ الفِكَرْ

كُلٌّ يرى بلحنهِ والوَتَرْ

هل صحَّ ما قيلَ رجاءُ الفتى

كأسٌ وغيداءٌ وبيتٌ حجَرْ؟

لا العشقُ عشقٌ كانَ من غيرِ داءْ

ما أعجبَ الحرفينِ حاءٌ وباءْ

لا يُستطابُ الشهدُ في أكلهِ

ولَسعةَ النحلِ تراها عناءْ

قطَفتُ في الصَبْوةِ غَضَّ الزهورْ

ومن ثناياها رشفتُ الخمورْ

وطافَ بيْ سِحْراً جَناحُ المُنى

كأَنَّني فوقَ ظهْورِ النسورْ

كَظمتُ جُرحَ الشوقِ خوفَ البَواحْ

وما فَمُ العُشّاقِ إلّا الجِراحْ

أطعمتُهُ لُبَّ الحشا جمرةً

فما اكتفى إلّا لِكُلّي استباحْ

كيفَ لِماقِ العينِ أنْ يذرفا

والقلبُ محجوبٌ بِرَينِ الجَفا

يُراقِصُ الغُصنَ نسيمُ الصَّبا

إنْ كانَ رَطْباً لَيِّناَ أَهيَفا

كيفَ لقلبِ المرءِ أنْ يخفِقا

ولن يرى الجمالَ أو يعشِقا

رَوِّ ثناياهُ بكأسِ الهوى

فغفلةُ المرءِ سبيلُ الشَّقا

كم ناحِتٍ من الجبالِ البيوتْ

في ظنّهِ مُخَلَّدٌ لا يموتْ

الدهرُ أفناهُ بأرزائهِ

أمسى كبيتٍ شادَهُ العنكبوتْ

كيفَ يُجافي القلبُ سِحرَ الجمالْ

إنْ كانتِ العينانِ حبلَ الوِصالْ

إنْ لم يَكُنْ للمرءِ مِرآتَهُ

فصخرةً صمّاءَ بينَ الجبالْ

كم خطَفَ الموتُ حبيباً ولمْ

يُرجِعْهُ دمعٌ بعدَهُ أم نَدَمْ

هل سِمَةُ التكوينِ إبدالُهُ

أم حكمةُ النسيانِ تُنسي الألمْ

إنْ أسدَلَتْ جفنَيَّ كفُّ الردى

وللخطايا في فؤادِي صدى

ولا أرى جنبي رفيقاً سِوى

ذنبٍ لمثوايَ بنفسي حدا

تُريكَ دُنياكَ خيوطَ الحرير

لكنَّها تنسجُ ما قد يضيرْ

فاحذرْ من الدًّنيا إذا أقبلَتْ

فلم تَهِبْ محاسِناً بل تُعيرْ

لهفي على مَنْ صانَ عهدَ الصِّحابْ

فأملؤوا كِلتا يديهِ التُرابْ

قد يخطفُ العينينِ برقُ السَّما

مُخادعاً كَفعلِ هذا السّرابْ

الحَدُّ من صِفاتِ هذا الوجودْ

لا يُدركُ المحدودُ فوقَ الحدودْ

وهل عرفنا اللهَ إلّا بهِ

ما خاضَ في كُنهِ الإلهِ رشيدْ

لا تَسجُنُ الأضلاعُ قلبي الرَطيبْ

يهفو حثيثاً لو دعاهُ الحبيبْ

يخفقُ جنحاهُ بنشوِ الهوى

لا يتَّقي من عاذلٍ أو رقيبْ

لا يقنعُ المرءُ بما قد بناهْ

يُسابقُ الأيامَ يرجو مُناهْ

خوَّلهُ اللهُ على مُلكهِ

لابُدَّ أن يَترُكَ ما قد جناهْ

سفيرُ عقلِ المرءِ حُسْنُ البيانْ

وزينةُ العلمِ نقاءُ الجَنانْ

كم حملَ الأسفارَ من حاملٍ

قد يبخسُ الحجّارُ شأنَ الجُمانْ

ما فوَّضَ اللهُ الورى أو جَبَرْ

هناكَ ما بينهما قد عَثَرْ

بل هو أمرٌ بينَ أمريهِما

ولا أرى الترجيحَ فيهِ نظَرْ

لا تقطفِ الأثمارَ قبلَ الأوانْ

أو تجعلِ العقلَ رهينَ الّلسانْ

قد تجمحُ النفسُ بأهوائِها

هل تُكبَحُ الخيلُ بغيرِ العِنانْ

هل تًحسَبُ الطيرَ إذا حَلَّقا

حُرّاً بجنحَيهِ وقد صفَّقا

تُغريكَ من ثغرِ الفتى بسمةٌ

والهمُّ طيّاتِ الحشا أحرَقا

يُطفي وِصالُ الغيدِ نارَ الحشا

تحتَ جناحِ الليلِ إنْ أغطَشا

وارشِفْ من الثغرِ سُلافَ الهوى

مَنْ لا يرَ العيشَ بهِ قد عَشا

لا يُسمعُ الَّلحنُ بغيرِ الوتَرْ

والعطرُ في الروضِ وليدُ الزهرْ

ديمومَةُ العيشِ بآمالنا

كالأرضِ يُحييها نزولُ المطرْ

رُبَّ ضريرِ العينِ لكن بصيرْ

وكم ثريِّ المالِ لكن فقيرْ

هل زينةُ الإنسان إلّا النُّهى

ليسَ لهُ من عِوَضٍ أو نظيرْ

من فوقِ خدَّيَّ أطلَّ الخريفْ

لا يجذبُ الفَراشَ وردٌ جفيفْ

هل أبتغي وصلَ الغواني إذا

علَيَّ قد شًحَّتْ ببعضِ الرَفيفْ

رشفتُ من خيرِ الكُرومِ السُّلافْ

ومن كؤوسِ الظلمِ سُمَّاً زُعافْ

لا يسرقُ النَّهارُ عُمرَ الدُّجى

وكُلُّ إبحارٍ يرومُ الضِّفافْ

يُكابدُ الشمعُ لظى نارهِ

لحاجةٍ تُقضى لدى جارهِ

لابُدَّ أن نجني صدى فعلِنا

فالنبتُ محكومٌ بأثمارهِ

ضمَّتْ حنايا القلب شوقاً دفينْ

لا ينطفي لظاهُ مَرَّ السنينْ

كالروحِ للأبدانِ في جعلِها

كلاهُما لبعضهمْ كالقرينْ

لَرُبَّما وَصْلاً تَشُحُّ المِلاحْ

إذا رَأيْنَ الفجرَ في الرأسِ لاحْ

ظَنّاً بأَنَّ الشيبَ يُردي الهوى

لكنَّما القلبُ كَخَيلٍ جِماحْ

أدبَرَ عن رأسي سوادُ المغيبْ

ولم تزَلْ أنتَ البعيدُ القريبْ

مَنْ فاتَهُ فيضُ كؤوسِ الصِّبا

ما عاضَهُ رَيَّاً ثُمالُ المشيبْ

تعدَّدتْ للمرءِ غاياتُهُ

والعُمرُ كالساعات ليلاتُهُ

هُناكَ مَنْ جَلَّتْ طموحاتُهُ

يُقضى ولا تُقضى لُباناتُهُ

كيف لهذا القلبِ أنْ يرعوي

وليسَ إلّا بالهوى يرتوي

فمَنْ جفاهُ قد غدا جُثَّةً

كذا يموتُ الشعرُ دونَ الرَّوي

يا أيُّها الدهرُ أما تكتفي

سلبتَ قلبي كُلَّ خِلٍّ وفي

لا عَتَباً بل ذا لسانُ الأسى

ما عتبي ألّا على المنصِفِ

فكرُ الفتى ما بينَ ماضٍ وآتْ

مُأرجحٌ بينهما للمماتْ

يا خيبةَ الأمسِ ويومُ المُنى

بينهما يدُبُّ خوفُ الفواتْ

وما كساكَ الدهرُ ثوبَ الرِّضا

إلّا وعن غيرِكَ حتماً نضا

فاقنعْ من الدهرِ بكلتيهِما

إنْ شئتَ أو أبيتَ جاري القضا

ما خامرَ القلبَ كسحرِ الهوى

ولا هَما الماقُ كدمعِ النّوى

تلكً رُحى الأيامِ في طبعِها

تطحنُ مَنْ تأتيهِ طحنَ النَّوى

ما جادَ كالعَيناءِ رميَ السِّهامْ

ولا سبى عقلَ الفتى كالغَرامْ

مَنْ صامَ طولَ العُمرِ عن خمرهِ

أولى بأنْ يأتيهِ موتٌ زؤامْ

قد يُجِسُ القلبُ من القادمِ

ويعقرُ الخوفُ خُطى الحالِمِ

إنْ هِمتَ في أمرٍ فلا تنثني

لا يفصِمُ اليأسُ عُرا الحازِمِ

إنْ شئتَ في العيشِ امتطاءَ السَّحابْ

جِدْ هِمَّةً واسرجْ متونَ الصِّعابْ

قد تُتعِبُ الآمالُ قلبَ الفتى

إنْ دَبَّ فيهِ هاجِسُ الارتيابْ

قد يخدَعُ المرءَ ابتِسامُ الحياةْ

ولا يرى القلبُ نذيرَ المَماتْ

فَالجِمْ جِماحَ النَّفسِ إنْ أَقحَمَتْ

لا شكَّ بالعقلِ سَفينُ النّجاةْ

حاذِرْ من الصَّحْبِ شِحاحَ النفوس

ومن بزوغ الفجرِ أمسى يئوسْ

فلا يغُرَّنَّكَ لُقْيا الفتى

رَطْبُ المُحَيّا ذو فؤادٍ يبوسْ

يا أيّها النائمُ ملءَ الجفونْ

تبني بأحلامِكَ ما لا يكونْ

مَنْ يبتنِ الأمجادَ في هِجْعَةٍ

سِرعان ما تُهدَمْ بِصَحْوِ العيونْ