وجَعلتُ نَهْجكَ في وُجُودِي قِبلةً
ما كَانَ يلزمُني سِهامُ البوْصَلَهْ
عَمْياءُ تحْمِلُ في الفُؤادِ سِرَاجَها
كيَمامةٍ زَرْقاءَ تُبْصرُ سُنبُلَه
إنِّي رَأيتُكَ مُنذُ ألْفِ قَصِيدة
فِي خَافِقي وُلِدَتْ لتُنْجبَ بَسْمَلهْ
وُلِدتْ لتَتْلُو سُورَةً مَكِّيةً
فيُجِيبَ ترَتِيلِي فُضولَ الأسْئلَهْ
وأُطِيلَ مَدِّي ثُمَّ أُعْطِي غُنَّتِي
وقْتَ الوُصُولِ إلَى الشِّفَاهِ المُقفَلَهْ
تَتَوتَّرُ الأشْعَارُ تَلْفظُ عَجْزَهَا
وتُهرْولُ الكَلماتُ نَحْو المِقْصَلَهْ
وأقُولُ أحْمدَ ثُمّ يُسْكِتنِي البُكَا
رَقْراقةٌ تِلك الدُمُوعُ المُسْدلَهْ
رقْراقةٌ تَهْمي علَى خَدِّ الهَوَى
فتَبُلَّ مِنْ عَطَشٍ ورودَ المَشتلَهْ
وإذا تَراءى فِي القَصِيدَةِ مَرّةً
حارَ الجمالُ وقَال: يا مَا أجمَلهْ!
والكَوكَبُ المُزْرَّقُ مَالَ بشَوقِهِ
وتَرنّحَ المِرِّيخُ حَتَّى يحْمِلَهْ
كُلُّ الكَواكِبِ شَاهَدتْ مِيلادَهُ
فبَكَتْ مِنَ الحُسنِ الذِي قدْ كَانَ لَهْ
والنّارُ في أرْضِ المَجوسِ تفَاجأَتْ
بالنُّور يُطْفئُها ويوُقدُ مِشعَلَهْ
هُوَ خاتمُ الرُسْلِ الكِرام جميعِهمْ
رَبُّ المَعالي بالمَكَارمِ كلَّلَهْ
نسَبٌ يَعودُ إلَى خَليلِ إلَهنَا
فرعٌ شَريفٌ أصْلهُ قدْ كمّلهْ
قدْ جاءهُ جِبْريلُ شَقَّ فُؤادَهُ
من مَاء زمْزمَ قدْ رَواهُ وغَسّلهْ
وحليمَةٌ قدْ أرْضعتْهُ بحبِّها
والقلْبُ فِي رُكْنِ المَحبَّةِ قبَّلهْ
والنُّوقُ مَا كانَتْ تدرُّ حَليبَها
وغدَتْ بضِرعٍ حَافِلٍ مَا أثقلَهْ
والبُورُ أثمَرت الحياة بجوفها
والغيمُ قدْ تركَ السَّماءَ وظلَّلَه
والسَّعفُ حَنَّ إليهِ بَعدَ فِراقِهِ
وبَكَى عَلَى كَتِفِ النَّخِيلِ وبلَّلهْ
ونُحِبُّهُ ونَرَاهُ فِي أحْلامِنَا
لمْ يكذِبِ الوجْدانُ لمَّا مَثَّلهْ
ولأنَّهُ المثَلُ المُخلّدُ ذِكرُهُ
نفْنى لتبقىَ فِي الوجود الأمثلهْ
أوحَى إليْه اللهُ، سُبحان الذي
أثْنَى عليهِ ودارَ عِزٍّ أنْزلَهْ
وحِراءُ يذْكرُ قَوْلَ جِبريلٍ لَهُ
اقْرأ فآياتُ الكتابِ مُرتّلهْ
وخديجةٌ قدْ دثَّرتْهُ برُوحِهَا
والقلْبُ قدْ مَدَّ الشِغَافَ وزمّلَهْ
يا غارَ ثوْرٍ هلْ ذكرتَ حِكايةً؟
دَارتْ بِبيْتِ العنْكَبُوتِ الأرَمَلهْ
كانَتْ تُعزِّي نفْسَهَا وتَلُومُها
وتحُوكُ نسْجًا ثُمَّ تنْكُثُ أوَلّهْ
وحَمامَةٌ نامَتْ علَى بيْضَاتِها
عبْثًا تُحاولُ أنْ تَحُلَّ المُشْكِلهْ
وإذاَ بهَذا الغارِ كبَّرَ جَوفُهُ
لتصِيحَ أرْكانُ الوُجودِ مُهلِّلهْ
هوَ أحْمدٌ واللهُ أرْسلَه هُنَا
وصَدِيقُه الصِدّيقُ جَاء لِيُدْخِلَهْ
يتحمّلُ الآلامَ تنْخَرُ عَظْمَهُ
كيْ لا يُحِسَّ بِهِ الرَّسُولُ ويَسْألَه
ويئِنُّ صَمْتًا ثُمّ يُخْفِي آهَهُ
والجَفْنُ قدْ تَرَكَ الدُّمُوعَ مُكبَّلَهْ
ويقُولُ لَا تحْزنْ فلسْنَا وَحدَنَا
واللهُ ينظُرُنَا ويحْفَظُ مُرْسَلَهْ
صَلّى عليْه اللهُ صلَّتْ أَحْرُفِي
والخَافِقَاتُ وكُلُّ دَقَّاتِ الوَلَهْ
صَلَّتْ عَليْهِ الشَّمْسُ عِنْدَ شُروقِهَا
وغُروبِها والنجْمَةُ المُتَهلِّلَهْ
وبَكَتْ جَميعُ الكَائنَاتِ لِمَوتِهِ
والحُزْنُ قدْ رجَّ الفُؤادَ وزَلْزَلَهْ
وتسَارعَتْ نبَضَاتُ كَونٍ عاشقٍ
قدْ بَاحَ بالحُبِّ الذِي قدْ أثْقَلَهْ
ومَضَتْ إلَى أرْضِ المَدينةِ نخْلَة
مكيّةٌ تُخفِي الخُطَى مُتسَلِّلَهْ
وتقُول للكُثبانِ إنّْي لمْ أعُدْ
أقوى وحُبِّي فِي الحَشَى لاَ حَدَّ لَهْ
يا أرضَ يثرِبَ يا جِبالاً حَوْلَهَا
رُوحِي كمِثْلِ الأخْشَبَيْنِ مُكَبَّلَهْ
سَأصُبُّ فِي قَلْبِي مِدَادً أزْرَقاً
وأُحَرِّضُ الأشْعَارَ كيْماَ تُشْعِلَهْ
صَلّى علَيهِ الحَرفُ عِنْدَ سُجُودِه
ورُكُوعِه فِي الجُمْلَة المُتَمَلْمِلَهْ
صَلَّى عَلَيْه الحَامِلُونُ لِواءَهُ
وقُلُوبُهُم عمَّا سِواهُ مُقفَّلهْ
صَلَّى عَلَيْهِ النَّازِحُون إلَى الهُدَى
قدْ صيّرُوا صَعْبَ الدُّروبِ مُسهّلهْ
وفدَتْهُ أرْواحُ الخَلائقِ كُلُّهَا
وجَميعُ أنْفاسِ الحَياةِ المُقبِلهْ
وفَداهُ هذا القلبُ يسألُ ربَّهُ
لُقْيَا الحَبيِبِ ودَعْوةً مُتقبّلَهْ
إنِّي ترَكْتُ الشِّعرَ فِي مِحْرَابِهِ
وأتَيْتُ مِنْ فَرْطِ الحَنينِ مُهَرْولَهْ
فإذَا رآهُ القلْبُ فِي سَوْدائِهِ
طُوبَى لِمَنْ حَازَ المُنَى وتأمّلَهْ