تخطَّ إلى المحتوى

بدأت بسحر الحب وهو مسطر

الطويل

١٧٢ بيت

النسيب

بَدَأتُ بِسِحرِ الحُبِّ وَهوَ مُسَطَّرُ

كَما خُطَّ فِي لَوْحِ المَقادِيرِ مُقْدَرُ

وَهَل يَمْنَعُ الإِحْسَاسَ عَقْلٌ مُتَيَّمٌ

إِذَا أَسَرَتْ أَهْدَابُهُ مَنْ هُوَ الحَذِرُ

أَتَيتُ أُقَبِّلُ وَجهَ نَجمٍ تَوَهَّجَت

بِهِ سَاحَةُ الأَشواقِ وَالعِطرُ يَنتَشِرُ

فَسَالَ الحَنينُ عَلى يَدَيَّ كَأَنَّهُ

نَبيذُ جِنانٍ في القُلوبِ يُخَمَّرُ

وَقُلتُ لِقَلبي: هَل تُراكَ تُبَالِغُ ال

وُجودَ؟ فَقالَ: العِشقُ نَفحٌ مُطَهَّرُ

فَإِن كُنتُ لا أَدرِي سَبِيلَ جَمالِها

فَإِنِّي بِوَجْهِ الحُسْنِ إِذْ أَسْتَبْصِرُ

وَإِنِّي وَإِيَّاهُ قَضَيتُ مَلامِحاً

مِنَ النُّورِ لَمْ يُدرِكْ رُؤاها المُبْصِرُ

كَأَنَّ حُرُوفاً فِي نَبَاتِ اسْمِها جَلَتْ

رُقُومٌ عَلَى لَوْحِ الخُلُودِ تُسَطَّرُ

فَيا قَلبُ، إِنَّ العِشقَ تاجُ المَلاحِمِ ال

أُوَلْ، وَفيهِ الشِعرُ يُولَدُ وَيَزهَرُ

وَفيهِ يَصيرُ الحُزنُ لَحناً مُقَدَّساً

تُرَتِّلُهُ الأَطيارُ حِينَ تُدَافِرُ

فَمَا الحُبُّ إِلَّا ثَوْرَةٌ قُدْسِيَّةٌ

تَمُوجُ بِأَعْمَاقِ النُّفُوسِ وَتَكْبُرُ

تُؤَلِّفُ مِنْ شَتَّاتِ رُوحِي قَصِيدَةً

يُضِيءُ بِهَا وَجْهُ الزَّمَانِ وَيَسْفُرُ

فَخُذْ يَا قَرِيضِي مِنْ جَمَالِ صِفَاتِهَا

عُقُوداً عَلَى صَدْرِ القَوَافِي تُجَوْهَرُ

رَأَيتُكِ وَالعُمرُ الغَريبُ مُتَيَّمٌ

فَذَابَتْ بِأَحْدَاقِ الجَمَالِ الأَسَاطِرُ

وَسالَ نَبِيذُ النُّورِ فَوقَ جَمالِكِ ال

مُتَرَّفِ، يُسْقَى مِنْ سَلامٍ يُعَطَّرُ

وَهَبَّتْ نَسِيمَاتُ الجَمَالِ لِخَافِقِي

فَأَيْقَنْتُ أَنَّ الرُّوحَ فِيكِ سَتُمْطِرُ

فَيا وَجْهَ صُبْحٍ فِي مَسافَةِ لَيْلِنا

لَكِ الفَجْرُ مِحْرابٌ، وَأَنْتِ المُوَقَّرُ

وَيا نَظَرَةً أَحيَتْ رُكامَ جَراحِنا

كَأَنَّكِ في أَهدابِنا تَتَبَخَّرُ

سَكَبْتِ الجَمَالَ عَلَى الوُجُودِ كَأَنَّهُ

صَلَاةُ مَلَاكٍ فِي المَحارِيبِ تُؤْثَرُ

وَمُذْ لاحَ مِنْ طَرفِ العُيونِ خَيالُكُمْ

تَغَنَّى بِاسْمِكِ الكَوْنُ البَهِيُّ المُقَدَّرُ

أَنا مِنكَ لا أَدري أَأَحيا وَأَغتَدي

بِشَوقٍ يُنادي أَمْ أَمُوتُ فَأُقْبَرُ

فَإِن كانَ حُبِّي في هَوَاكِ جَريمةً

فَإِنِّي بِذَنْبِي فِي الغَرَامِ أُؤَمَّرُ

وَإِن كانَ لَفظُ العِشقِ يُغرِقُ حِبرَهُ

فَفِي نُطْقِ عَيْنَيْكِ القَصِيدُ يُحَرَّرُ

وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ لُقْيَاكِ أَنَّنِي

بِغَيْرِ ضِيَاءٍ فِي حَيَاتِيَ أُبْصِرُ

وَلَكِنَّنِي لَمَّا رَأَيْتُكِ بَغْتَةً

رَأَيْتُ كِيَانِي فِي هَوَاكِ يُعَمَّرُ

فَأَنْتِ ابْتِدَاءُ الصَّحْوِ بَعْدَ غَيَابَةٍ

وَأَنْتِ مَلاذِي حِينَ نَجْمِيَ يُبْحِرُ

تَلَهَّبَ في أَحشائِهِ الوَجْدُ وَالجَوَى

وَسَالَتْ دُموعُ الشَّوقِ حِينَ تُسَعَّرُ

وَقَد ضَاقَ صَدرُ اللَيلِ مِن نَفَسِ الهَوى

فَغَابَتْ نُجُومُ الحُسنِ وَالليلُ يَسْكَرُ

أُقَبِّلُ ذِكرَاهَا وَأَشهَدُ أَنَّهَا

مَقامُ صَلاةٍ، رُوحُها وَالمَصْدَرُ

وَأَنَّ هَوَاهَا مُصحَفٌ كُتِبَتْ بِهِ

دُعاءاتُ عِشقٍ فِي السُّطُورِ أُنَثَّرُ

أُقاسي وَلَكِنِّي أَرَى فِي عَذَابِهَا

نَعِيماً، وَمِنْ بَرْدِ الجِنَانِ أُبَشَّرُ

تُغَنِّي جُفُونِي كُلَّمَا هَبَّ طَيفُهَا

كَمَا يُنْشِدُ النَّايُ الحَزِينُ فَيَسْحَرُ

وَقَد غَادَرَ الحِسُّ العُيُونَ وَمَا رَأَتْ

سِوَى وَجْهِهَا، فَالعَيْنُ فِيهِ تُسَمَّرُ

تَغَيَّبَ عَنِّي كَيْفَ شَاءَتْ، فَإِنَّنِي

أُقِيمُ عَلَى ذِكْرَاهُ حَيْثُ أُحَصَّرُ

وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ النَّجْمَ كُلَّمَا

ذَكَرْتُكِ، إِنِّي فِي هَوَاكِ أُسَيَّرُ

فَإِنْ غَابَتِ الدُّنيَا، وَغَابَتْ مَلامِحِي

فَفِي نَارِ عِشقِي لِلشُّجُونِ تَجَمُّرُ

أَمُرُّ عَلَى النِّيرَانِ يَطْفُو لَهِيبُهَا

وَقَلْبِي عَلَى جَمْرِ الغَضَا يَتَصَبَّرُ

وَمَا كُلُّ مَنْ ذَاقَ الهَوَى بَاتَ مِثْلَنَا

قَتِيلاً بِأَلْحَاظِ المَهَا يَتَعَفَّرُ

أَيَا لَهَبَ العِشْقِ الَّذِي ضَاقَ ذَرْعُهُ

بِصَدْرِي، رُوَيْداً، فَالشَّرَارُ يُدَمِّرُ

تَوَلَّى المَسَاءُ، وَالنُّجُومُ احْتِجَابُهَا

بَدَا، وَاسْتَحَالَ الأُنْسُ شَجْواً يُجَاوِرُ

وَأَسْدَلَتِ الذِّكْرَى عَلَيَّ رِدَاءَهَا

فَأَلْثَمُ وَجْهاً بِالغِيَابِ يُدَثَّرُ

أَحِنُّ إِلَى مَاضٍ تَبَدَّدَ نُورُهُ

كَمَا يَذْبُلُ النَّسْرِينُ إِذْ يَتَحَسَّرُ

وَأَبكِي عَلَى أَيَّامِ عَينَيْكِ كُلَّمَا

سَقَتْنِي نَدَى الآمَالِ ثُمَّ تُغَادِرُ

وَمَا زَالَ فِي صَدْرِي بَقَايَا نَغِيمَةٍ

تُغَنِّيهِ رُوحِي كُلَّمَا بَاتَ يُعْسِرُ

تَرَكْتِ مَكَانًا فِي الحَنَايَا مُخَلَّدًا

عَلَى الحُبِّ لَا يُمْحَى وَإِنْ غَابَ مَنْ يَزْبُرُ

أُحاوِلُ أَنْ أَنْسَى، فَيَسقُطُ صَبرِيَ ال

عَنِيدُ، وَقَلْبِي بِالمَوَاجِعِ يُعْصَرُ

وَيَأتِينِي طَيفُكِ فِي الدُّجَى مُتَلَثِّمًا

كَضَوْءٍ خَجُولٍ خَلْفَ سُحْبٍ يُخَفَّرُ

فَأُرسِلُ عُمرِي نَحوَ ذِكرَاكِ سَائِحًا

كَمَنْ غَرِقَتْ أَقْدَامُهُ حِينَ يَعْبُرُ

وَأَعلَمُ أَنَّ الحُبَّ بَاقٍ وَإِنَّمَا

يُغَيِّبُنا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ إِذَا كَرُّوا

فَلا الشَّمْسُ بَعْدَ الآنَ تُهْدِي شُرُوقَهَا

وَلا القَمَرُ الوَضَّاءُ فِينَا يُنَوِّرُ

غَرَبْتِ، فَغَابَ الكَوْنُ عَنْ عَيْنِ صَبْوَةٍ

وَأَصْبَحَ رَبْعُ القَلْبِ بِالبُعْدِ يُقْفِرُ

سَأَبْقَى عَلَى عَهْدِ الوَفَاءِ وَإِنْ نَأَى

مَزَارُكِ عَنِّي، وَالزَّمَانُ يُؤَخِّرُ

بَكَيتُ عَلَى أَطلالِ حُبٍّ تَبَدَّدَتْ

خُطَاهُ، وَقَلْبِي بِالأسَى يَتَفَرَّرُ

وَمَا زَالَ صَوتُ الحُزنِ فِيَّ مُدَوِّيًا

كَأَنَّ أَنِينِي فِي الفُؤَادِ يُجَذَّرُ

أُحَاوِلُ أَنْ أَنْسَى وَتَمْنَعُنِي الدُّجَى

فَكُلُّ طَرِيقٍ لِلْمَنَامِ يُوَعَّرُ

وَيَسقُطُ فِي كَفِّي رَمادُ مَوَاعِدٍ

بِهَا يَتَلاشَى الوَعْدُ وَالحُلْمُ يُبَعْثَرُ

أُحِبُّكِ لَكِنْ كَيْفَ أَرْجُو لِقَاءَنَا

وَبَيْنِي وَبَيْنَ البُعْدِ بَحْرٌ يُهَجِّرُ

فَيَا صَوْتَهَا عُدْ لِي كَنَجْمٍ مَنَارُهُ

تُغَنِّي لَهُ الأَرْضُ الفَضَاءُ وَتَعْمُرُوا

وَإِنْ غِبتِ، فَالعُمرُ اعتِرافٌ بِغَيبَةٍ

تَفَتَّتَ مِنْ أَضْلَاعِهِ الشَّوْقُ يُصْهَرُ

سَأَبْقَى وَإِنْ غَادَرْتِ نَبْضِيَ، إِنَّنِي

أُقَبِّلُ ذِكْرَاكِ الَّتِي لَا تُقْهَرُ

وَأَكْتُبُ فِي صَمْتِ الغُيُومِ حِكَايَتِي

كَنَايَاتِ دَمْعٍ فَوْقَ وَجْهِي تَتَقَطَّرُ

فَإِنْ كُنتِ تَدرِينَ المَحَبَّةَ مِحرَقًا

فَإِنِّيَ فِي نَارِ الفِرَاقِ أُسَجَّرُ

فَلا تَعْجَبِي أَنْ بَاتَ لَيْلِيَ مُوحِشاً

فَإِنَّ فُؤَادِي بِالمَوَاجِعِ يُسْجَرُ

وَمَا زِلْتُ أَسْتَجْدِي الغِيَابَ لَعَلَّهُ

يَمُنُّ بِطَيْفٍ فِي الخَيَالِ يُصَوَّرُ

أَمُوتُ وَتَحْيَا فِي ضُلُوعِي مَحَبَّةٌ

لَهَا بَيْنَ أَنْفَاسِ النَّزِيعِ تَحَرُّرُ

أُرَاسِلُ لَيلِي كُلَّمَا ضَاقَ نَفْسِيَ الشَّجِيُّ

وَتَنْبُتُ فِي فُؤَادِي الهَوَاجِرُ

وَأَبعَثُ نَحوَ الغَيبِ رِسْلَةَ دَمعَتِي

فَتَرْجِعُ أَصْدَاءً بِقَلْبِيَ تُؤْبِرُ

أُحَدِّثُ وَجهَ الرِّيحِ عَنْكِ كَأَنَّهَا

رَسُولٌ أَتَى مِنْ بُعْدِنَا يَتَحَبَّرُ

فَيَحمِلُ مِن نَبضي نَسِيمَ مَوَدَّةٍ

وَيُرسِلُ أَسرَارَ الحَنِينِ وَيَجْهَرُ

وَيَخطِفُ مِن عَينيَّ دَمعًا مُرَتَّجًا

كَأَنَّ المَسَاءَ عَلَى الخُطَى يَتَزَفَّرُ

وَيَعبُرُ أَبحَارَ السُّكُونِ مُوَجَّهًا

إِلَيكِ، وَفِي طِرْسِ الغَرَامِ يُقَرِّرُ

وَإِنِّي أَرَى فِي البُعْدِ وَجْهَكِ سَاطِعاً

كَنُورٍ بَدَا لِلرُّوحِ إِذْ يَتَبَلْوَرُ

فَإِنْ رُمتِ عَودًا فَاسكُنِينِي وَرُبَّمَا

بِلُقْيَاكِ أَغْصَانُ الحَيَاةِ تَنَضَّرُ

وَإِنْ غِبتِ، فَالذِّكرَى عُقُودٌ نُضِيدَةٌ

تَحُفُّ حُطَامَ العُمْرِ إِذْ يَتَكَسَّرُ

فَيَا نَجمَ شَوقٍ، قُل لَهَا: إِنَّ خَافِقِي

بَقِيَّةُ نَبْضٍ فِي المَدَى يَتَحَيَّرُ

كَتَبْتُ عَلَى صَفْحِ السَّحَابِ مَوَاجِعِي

لَعَلَّ سَحَاباً نَحْوَ دَارِكِ يُشَمِّرُ

وَمَا كُلُّ مَكْتُوبٍ يُبِيحُ سَرَائِرِي

فَصَمْتِي كِتَابٌ بِالمَحَبَّةِ يُزْمِرُ

رَسَائِلُ عِشْقٍ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَخُطُّهَا

سِوَى دَمْعِ عَيْنٍ فِي الدَّيَاجِي يُذْكَرُ

أُراسِلُ لَيْلَ البُعْدِ وَالنَّجْمُ سَافِرٌ

وَأَبْكِي عَلَى وَجْهِ الظَّلامِ وَأَزْفُرُ

تُحَاصِرُنِي الذِّكْرَى وَتُطْلِقُ صَوْتَهَا

كَأَنَّ صَدَى الأَشْوَاقِ نَارٌ تُشَاجِرُ

أُسائلُ أنسامَ المساءِ عن اسمِها

فَتُطرِقُ خَجْلَى في رداءٍ يُعَاطِرُ

وَأَكْتُبُ حَرْفِي فِي الضِّياءِ رِسالَةً

تُقَبِّلُ وَجْهَ الغَيْمِ إِذْ يَتَغَامَرُ

وَأُلْقِي سَلَامِي فِي المَدَى مُتَوَسِّلاً

إِلَى مَنْ سَكَنْتِ القَلْبَ إِذْ نُتَهَاجَرُ

فَلَوْ أَنَّهَا تَدْرِي بِأَنِّي مُتَيَّمٌ

لَمَا خَلَّفَتْ قَلْبِي وَجَفْنِي يُحَاجِرُ

وَأُنْصِتُ لِلأَحْلَامِ تُحْيِي نِدَاءَهَا

كَأَنِّي أَرَى وَجْهَ الهَوَى يَتَمَظْهَرُ

وَأَرْسُمُ مِنْ أَنْفَاسِيَ الحُبَّ مِئْذَنًا

يُنَادِي إِلَى الوَصْلِ البَعِيدِ وَيَجْأَرُ

وَكَم لَيلَةٍ طافَت بِقَلبي كَأَنَّها

نُذورُ دُعاءٍ في صُدورٍ تُجَاهِرُ

فَتَبْقَى رِسَالَاتِي إِلَيْكِ كَأَنَّهَا

وُعُودُ نُجُومٍ فِي الظَّلامِ تُنَاظِرُ

تَمُرُّ الدُّهُورُ الخَالِيَاتُ وَإِنَّنِي

عَلَى لَهَبِ التَّحْنَانِ لَا أَتَغَيَّرُ

وَمَا كُنْتُ لَوْلَا العِشْقُ إِلَّا بَقِيَّةً

مِنَ الطِّينِ، لَكِنْ بِالمَحَبَّةِ أُؤْجَرُ

فَخُذْ يَا نَسِيمَ الفَجْرِ كُلَّ رَسَائِلِي

إِلَى رَوْضَةٍ فِيهَا الحَبِيبُ يُعَنْبِرُ

تَجَلَّى بِوَجْهِ الحُسْنِ نُورٌ مُهَذَّبُ

كَمَزْنٍ تَهَادَى فَوْقَ رَوْضٍ فَيَنْضُرُ

إِذَا أَقْبَلَتْ أَزْهَرَتِ الأَرْضُ فَرْحَةً

وَغَنَّى لَهَا الفَجْرُ النَّدِيُّ وَيَنْهَرُ

لَهَا مِنْ بَرِيقِ العَيْنِ سِحْرٌ مُقِيمُهُ

يَذُوبُ لَدَيْهِ الحُلْمُ و يُسْتَنْصَرُ

كَأَنَّ الهَوى مِن لَمسِها وَعُبورِها

يُؤَسِّسُ فِي الأَرْوَاحِ مَا لَيْسَ يُنْكَرُ

أَرَاكِ بِعَيْنِ الرُّوحِ نُوراً مُقَدَّساً

يُطِلُّ فَيَهْوِي كُلُّ صَبٍّ وَيُبْهَرُ

وَتَنفَتِحُ الأَحلامُ عِندَ حُضورِها

كَزَهرٍ أَتَى فِي البَيدِ إِذْ يَتَشَجَّرُ

فَيا سِحْرَهَا، يَا نُورَ كُلِّ حَقِيقَةٍ

تَفَتَّقَ فِيكِ الشِّعْرُ حِينَ يُصَدَّرُ

أَرَى نُورَهَا يَسْرِي بِرُوحِي كَأَنَّهُ

صَلَاةٌ بِأَعْمَاقِ التَّرَاتِيلِ تُذْخَرُ

أُحِبُّكِ لا لِلحُسْنِ، بَلْ لِرُقِيِّهِ

إِذَا سَكَنَتْ فِيكِ القُلُوبُ تُجَبَّرُ

فَتَبْقِينَ فَوقَ الحُبِّ مَعْنَىً مُقَدَّسًا

وَمَجْدًا بِأَسْفَارِ الخُلُودِ يُحَبَّرُ

عَشِقْتُكِ طُهْراً لَا يُدَانِي صَفَاءَهُ

سَرابٌ، وَلَا زَيْفٌ بِهِ يُتَمَسْخَرُ

فَأَنْتِ بَيانُ اللهِ فِي أَرْضِ عِشْقِنَا

وَأَنْتِ كِتَابٌ لِلْجَمَالِ يُفَسَّرُ

وَلَوْ صِيغَتِ الأَرْواحُ شِعْراً لَقُلْتُهَا

بِحَقِّكِ مَدْحاً لَا يَزَالُ يُعَمَّرُ

تَهَادَى هَوَاهَا فِي الفُؤَادِ كَأَنَّهُ

شِهَابٌ بِأَلْيَالِ المُحِبِّينَ يَذْأَرُ

وَأَرْسَلْتِ الأَنْفَاسَ عِطْرًا شَهِيَّةً

تُضَمِّدُ جُرْحَ القَلْبِ إِذْ يَتَفَطَّرُ

إِذَا ابْتَسَمَتْ سَالَ الصَّبَاحُ بِنُورِهَا

وَخَرَّ ظَلَامُ اللَّيْلِ إِذْ يَتَقَهْقَرُ

حَدِيثُكِ مُوسِيقَى عَلَى سَمْعِ رُوحِي

يُعِيدُ لِنَبْضِي العُمْرَ إِذْ يَتَحَدَّرُ

أُحِبُّكِ لا قَوْلاً، وَلَكِنْ شُعُوراً

يَجُوبُ عُرُوقِي كَالنَّدَى حِينَ يُبْكَرُ

سَكَنْتِ دَمِي حَتَّى غَدَوْتُ مُتَيَّمًا

كَمَنْ ضَيَّعَ العُمْرَ الجَمِيلَ وَيَهْدَرُ

وَعَيْنَاكِ بَحْرَانِ انْتَهَى فِيهِمَا المَدَى

وَفِي سِحْرِهِمَا كُلُّ الذَّكِيِّ يُغَرَّرُ

إِذَا غِبتِ مَاتَتْ فِي المَدَى كُلُّ زَهْرَةٍ

وَأَطْفَا هَجِيرُ البَيْنِ مَا يَتَذَعَّرُ

فَعُودِي إِلَيَّ، العُمْرُ بَعْدَكِ ضَائِعٌ

وَوَعْدُ العُيُونِ السُّودِ لَا يَتَكَدَّرُ

سَأَبْقَى أُحِبُّكِ مَا تَنَفَّسَ خَافِقٌ

وَمَا نَاحَ قُمْرِيٌّ عَلَى الأَيْكِ يُصْفِرُ

كَأَنَّكِ مَخْلُوقٌ مِنَ الضَّوْءِ وَالنَّدَى

وَسِرُّ كَمَالٍ فِي البَرِيَّةِ يُشْهَرُ

وَلَوْ نَظَرَ الرُّهْبَانُ حُسْنَكِ بَغْتَةً

لَقَالُوا: جَمَالٌ فِي القُلُوبِ يُسَوَّرُ

أَعِيذُكِ مِنْ عَيْنِ الوُشَاةِ وَمَكْرِهِمْ

فَأَنْتِ مَلَاذِي حِينَ دَهْرِيَ يَمْكُرُ

بَكَيْتُ عَلَى الأَطْلَالِ حَتَّى تَبَلَّلَتْ

خُطَايَ، وَحُلْمِي فِي الثَّرَى يَتَطَمَّرُ

نَدِمْتُ عَلَى وَقْتٍ مَضَى فِي حَسْرَةٍ

وَضَاعَ شَبَابُ العُمْرِ إِذْ يَتَقَصَّرُ

أُنَاجِي بَقَايَاكِ الَّتِي فِي حَنَايَاِيَ

فَتَأْبَى المُنَى فِي الرُّوحِ أَنْ يَتَخَيَّرُ

وَلِي فِي زَوايا الذِّكْرِ حُلْمٌ نَزِيعُهُ

يُغَالِبُ صَمْتَ اللَّيْلِ حِينَ يُعَسْكِرُ

أَمُدُّ يَدِي نَحْوَ السَّمَاءِ لَعَلَّهَا

تُعِيدُ ضِيَاءً غَابَ عَنِّي فَيُجْبَرُ

فَمَا زِلْتُ أَرْجُو الوَصْلَ رَغْمَ تَبَاعُدٍ

وَأَبْنِي مِنَ الآمَالِ مَا لَا يُدْمَرُ

تَمُرُّ اللَّيَالِي كَالسُّيُوفِ عَلَى دَمِي

وَتَقْطَعُ أَنْفَاسِي وَبُعْدُكِ يَبْتُرُ

سَأَلْنَا المُنَى: هَلْ لِلرُّجُوعِ بَشَارَةٌ؟

فَقَالَتْ: طَرِيقُ الوَصْلِ لَا يَتَيَسَّرُ

فَيَا زَهْرَةَ الذِّكْرَى عَلَى الدَّرْبِ ذُبِلَتْ

مُرُوءَتُهَا، وَالشَّمْلُ فِيكِ يُبَتَّرُ

تَرَكْتِ فُؤَادِي فِي العَرَاءِ مُمَزَّقًا

تُبَعْثِرُهُ الرِّيحُ الَّتِي تَتَنَمَّرُ

وَهَا أَنَا فِي مِحْرَابِ صَمْتِيَ سَاجِدٌ

أُصَلِّي عَلَى طَيْفٍ لَدَيْكِ يُسَاوِرُ

فَإِنْ عَادَ طَيْفُكِ فِي المَدَى مُسْتَبْشِرًا

تَطَهَّرَ قَلْبِي بَعْدَمَا يَتَكَوَّرُ

وَإِنْ لَمْ تَعُودِي، فَالمُصَابُ مُؤَبَّدٌ

وَسِرُّ الهَوَى فِي القَلْبِ حَتَّى يُصَهَّرُ

فَيَا رَبُّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ صَبَابَةً

تُطَمْئِنُ رُوحِي حِينَ شَوْقِيَ يَزْفُرُ

سَأَبْقَى بِبَابِ الصَّبْرِ أَرْقُبُ نَظْرَةً

تُبَدِّدُ عَنِّي ضِيْقَ عُمْرِي وَتَنْصُرُ

إِذَا كَانَ حُبِّي فِي القَضَاءِ فَرِيضَةً

فَإِنَّ صَلَاتِي فِي هَوَاكِ تُكَبَّرُ

أَطَلَّ صَبَاحُ الحُبِّ يَطْرُدُ ظُلْمَةً

فَأَشْرَقَ وَجْهُ الرُّوحِ حِينَ يُسَرَّرُ

وَعَادَ النَّسِيمُ الرَّطْبُ يَطْرُقُ مُهْجَتِي

وَيَلْثَمُ أَوْرَاقِي وَبِالزَّهْوِ يَمْخَرُ

رَأَيْتُكِ كَالنُّورِ الإِلَهِيِّ مُشْرِقاً

يُبَدِّدُ لَيْلَ الغَيْبِ إِذْ يَتَذَخَّرُ

فَعَادَ فُؤَادِي بَعْدَ مَوْتٍ كَأَنَّهُ

هَشِيمٌ بِغَيْثِ المَكْرُمَاتِ يُخَضَّرُ

نُحَاكِي نُجُومَ اللَّيلِ وَهْجاً مُحَرِّقاً

وَفِي طَرَبِ الأَفْلَاكِ نَشْوَى نُدَوَّرُ

وَعَيْنَاكِ يَا سِحْرَ الجَمَالِ قَصِيدَتِي

يُتَرْجِمُهَا العُشَّاقُ مِمَّا تُعَبِّرُ

إِذَا مَرَّ طَيْفُكِ فِي المَدَى مُتَبَسِّمًا

تَلَاشَتْ جِرَاحِي وَالمَوَاجِعُ تُؤْطَرُ

كَأَنَّ الهَوَى وَعْدٌ مِنَ اللهِ صَادِقٌ

بِأَنَّ المَدَى مِنْ فَيْضِ حُسْنِكِ يُغْمَرُ

فَمَا عَادَ فِي قَلْبِي سِوَى أَنَّ حُبَّنَا

نَشِيدٌ بِأَفْوَاهِ الزَّمَانِ يُكَرَّرُ

فَإِنْ مِتُّ يَوْماً فَاذْكُرِينِي هَمْسَةً

تُرِمُّ شَتَاتِي فِي المَدَى وَتُدَبَّرُ

عَشِقْتُكِ حَتَّى قِيلَ: جُنَّ فُؤَادُهُ

وَفِي مَذْهَبِ العُشَّاقِ مَا لَيْسَ يُشْكَرُ

فَأَنْتِ رَبِيعُ القَلْبِ بَعْدَ خَرِيفِهِ

وَأَنْتِ أَمَانُ الرُّوحِ حِينَ تُؤْقَرُ

فَيَا نَشْوَةَ الأَرْوَاحِ هَيَّا لِعَالَمٍ

بِهِ كُلُّ صَعْبٍ فِي المَحَبَّةِ يُزْجَرُ

أَقَمْتُ عَلَى عَهْدِ الهَوَى خَيْرَ مَوْثِقٍ

فَمَا خَانَ قَلْبِي وَالزَّمَانُ يُدَهْوِرُ

وَبُحْتُ لِوَجْهِ الصُّبْحِ سِرَّ مَحَبَّتِي

فَمَا زَالَ يَهْمِي بِالحَنِينِ وَيَجْذُرُ

نَذَرْتُ لِذِكْرَاكِ الوَفَاءَ مُقَدَّساً

يُصَلِّي عَلَيْهِ القَلْبُ حِينَ يُشَطَّرُ

وَقُلْتُ لِدَهْرِي إِنَّ مَنْ أَهْوَى لَهَا

نُجُومِي، وَأَفْلَاكِي لَدَيْهَا تُجَسَّرُ

إِذَا غَابَ وَجْهُ الحُسْنِ عَنِّي لَحْظَةً

فَلَا نُورَ فِي الآفَاقِ بَلْ يَتَشَذَّرُ

وَأَقْسَمْتُ أَنْ أَبْقَى عَلَى وَعْدِ عَاشِقٍ

إِذَا خَانَهُ الخِلَّانُ، لَا يَتَحَقَّرُ

وَمَا ضَلَّ دَرْبِي فِي صِرَاطِ هَوَاكِ، بَلْ

يُؤَدِّي فُؤَادِي صَبْوَةً وَيُكَفَّرُ

أُحِبُّكِ إِيمَاناً وَصِدْقَ عِبَادَةٍ

كَأَنَّ الهَوَى دِينٌ بِقَلْبِيَ يُسْبَرُ

فَمَهْمَا تَقَادَمَ فِي الزَّمَانِ لِقَاؤُنَا

سَيَبْقَى لَكِ الوُدُّ الَّذِي يُتَوَقَّرُ

وَهَا أَنَا بِالشَّغَافِ أَخْتِمُ قِصَّتِي

وَحُبُّكِ فِي أَعْمَاقِ رُوحِيَ يُبْذَرُ

إِذَا نَطَقَتْ رُوحِي فَأَنْتِ بَيَانُهَا

وَإِنْ سَكَتَتْ، فَالصَّمْتُ فِيكِ يُشَفَّرُ

سَأَمْضِي وَفِي كَفِّي لِعَهْدِكِ شُعْلَةٌ

تُضِيءُ مَسَارِي كُلَّمَا يَتَقَعَّرُ

فَمَا كَانَ عَهْدُ الحُبِّ إِلَّا أَمَانَةً

تُصَانُ بِأَعْمَاقِ الحَشَا تُسَخَّرُ

هُنَا يَنْتَهِي دَرْبُ الهَوَى بَعْدَ رِحْلَةٍ

بِهَا عَزْمُ رُوحِي فِي المَدَى يَتَمَهَّرُ

هُنَا تُرْفَعُ الأَرْوَاحُ سُجْداً لِعِشْقِهَا

وَحُبُّكِ فِي مِحْرَابِ رُوحِيَ يُصْحِرُ

هُنَا أَوْدَعُ الأَشْعَارَ قَلْبَكِ صَادِقاً

وَفِي لُجِّ نُعْمَاكِ القَصِيدُ يُشَعَّرُ

فَلَوْ أَنَّ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكِ حَائِلٌ

لَغَارَ الفُؤَادُ الأَرْضَ حَتَّى يُبَقَّرُ

سَيَبْقَى هَوَانَا فِي الفُؤَادِ رِسَالَةً

تُعِيدُ شَبَابَ العُمْرِ حِيناً وَتُؤْزَرُ

سَيَحْفَظُنَا لَحْنُ الغَرَامِ بِصَفْوَةٍ

وَنُورٌ بِأَثْوَابِ اللِّقَاءِ يُطَرَّرُ

فَنَامِي عَلَى كَفِّ الأَمَانِ قَرِيرَةً

وَصَدْرِي بِأَنْفَاسِ المَحَبَّةِ يَعْطُرُ

وَأَوْصَيْتُ عُمْرِي أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً

لِكُلِّ مُحِبٍّ فِي المَدَى تَتَحَوَّرُ

سَلامٌ عَلَى أَيَّامِ حُبٍّ جَمَعْتَنَا

وَعَهْدٍ بِعَزْمِ الصَّادِقِينَ يُؤَثَّرُ

فَإِنْ سُئِلَتْ رُوحِي: عَلَامَ خُلُودُهَا؟

أَجَابَتْ: بِوَجْهٍ كَالقِطَافِ يُحَوَّرُ

وَمَا كَانَ ذَا الشِّعْرُ الفَرِيدُ سِوَى صَدًى

لِنَبْضٍ بِأَسْرَارِ الغَرَامِ يُخَفَّرُ

فَيَا نَفْسُ طِيبِي بِالخُلُودِ فَإِنَّنَا

بِمِيزَانِ رَبِّ العَالَمِينَ نُحْبَرُ

خَتَمْتُ بِحَمْدِ اللهِ سِفْرَ مَحَبَّتِي

وَشَوْقِي بِأَنْوَارِ الرِّضَا يَتَعَطَّرُ