ألقت إليَّ بطرفها المتوددِ
وتأملتْ في الشوقِ طولَ تجلّدي
فرمتْ منَ العينينِ سهماً قاتلاً
أردى فؤادَ العابدِ المتزهّدِ
حوراءُ ترمقُني كبحرٍ هادرٍ
أبحرتُ فيهِ ولستُ اعرفُ مُنجدي
والثغر أشرقَ بابتسامٍ فاتنٍ
ولمىً كزهرِ النرجسِ المتورّدِ
وتوشحَ الخدُّ الوريفُ بحمرةٍ
ريانُ أعنابٍ على غصنٍ ندي
لو أنَّني أدركتُ منها قبلةً
لتساقطتْ بتلاتِ وردٍ في يدي
ونهلتُ كأساً من سلافةِ نحرِها
يروي صدى ولهي بسكْرٍ سرمدي
لكنّني استحييت إذْ إنّي امرؤٌ
أخشى الإلهَ كناسكٍ متعبّدِ
استرسلُ الأشعارَ منذُ طفولتي
بالفاتناتِ الناعماتِ الخُرَّدِ
والشعرُ إمّا منْ بيانٍ نادرٍ
أو منْ توهّمِ ضائعٍ لا يهتدي
لكنَ شعري من بيانٍ ساحرٍ
يسري بلبِّ القلبِ غيرَ معقّدِ
أسرجتُه من نارِ قلبٍ هائمٍ
لينيرَ في غسقِ الغياهبِ مشهدي
ورأى به ِالعشّاقُ نَولَ مرَادِهمْ
ووصلتُ فيهِ إلى أقاصي مقصدي
ألقيتُ في الشعراءِ وحيَ قصيدتي
فبدتْ لهمْ كالأفعوانِ الأسود
وتلقَّفتْ منهمْ حبالَ قريضهمْ
(فغدوا بها من راكعين وسجد)
وإذا تصعلكَ جمعُهم في مربدٍ
وأتيتُ لم ينطقْ لسانُ المربدِ
أشعارهم من غيضِ فيضِ ثجاجتي
طوفانُ حرفي حلَّ في قفرٍ صدي
وإذا فككتُ من القريضِ محابساً
أقبلتُ أقطعُ شعرَهمْ بمهنَّدي
ولربَّ معركةٍ ولجتُ بنارِها
وخرجتُ منها كالهزبرِ الأصيدِ
ولكمْ ظفرتُ بكلِّ قيلٍ باسلٍ
وتركتُه مثل الرماد الأسودِ
هلهلتُ شعرَ الأولينَ وصغتهُ
حُللاً مزينةً بمسكِ العسجدِ
أسمعتُ شعري كلَّ صمٍّ أبكمٍ
وإلى بياني كلُّ أعمًى يهتدي
عجب الزمان لشعرنا المتفرد
يطغى على الألباب دون تردد
إنا هنا خيرِ البلادِ فصاحةً
شعراؤها وصلوا لنجمِ الفرقدِ
قومٌ فصاحٌ لا تزيغُ حروفُهمْ
ورثوا البلاغة سيداً عن سيّدِ
قهروا الفرنجةَ والمجوسَ ومدَّهمْ
ضربوا شرورَ لسانِهم بالصفّدِ
وإلى بلادي سوفَ يُحشرُ جمعُهمْ
في يومِ حقٍّ لستَ عنهُ بمبعدِ
إنّي من الشامِ الّتي ملكوتُها
لبني أميَّةَ من قراحِ السؤددِ
تيجانُ ملكِ الكونِ في افلاكِها
وحصونُها حصنٌ لكلِّ مشرَّدِ
من أرضِها خرجت جحافل عزنا
لتسومَ خسفاً كلَّ باغٍ معتدي
وإذا مررتَ بشامِنا فاخفضْ لها
ذلاً جناحكَ للترابِ الأمجدِ
كحّلْ عيونَكَ من أطايب تربها
للعينِ كانتْ من ذؤابِ الأثمدِ
والدهرُ قد أوصى الشآمَ بسرهِ
فيها نهايتُه وفيها يبتدي
ألقى عليها الدهرُ ثوبَ السُّؤدَدِ
وتناولت بالعِزِّ نجمَ الفَرقَدِ
عزَّتْ مطالبُها ولمَّا أسفرت
وهبوا لها الأكبادَ بالكفِّ النَّدِي
فانفكَّ قيدُ الظلمِ عن جنباتِها
وازيَّنت وتكحَّلت بالأثمدِ
هذي دمشقُ وها هنا أركانُها
بدمائِنا يا ياسمينُ تورَّدِ
الكونُ يستجدي الضِّياءَ ومن هنا
أسفارُ ملحمةِ الزمانِ ستبتدي
هذي سيوفُ أميَّةٍ وجنودُها
لبسوا لها جِلدَ الهِزَبرِ الأصيَدِ
سبقت صوارمُهم مقالةَ عاذلٍ
وتهادتِ المجدَ المؤثَّلَ باليَدِ
والفاتناتُ من الخصالِ عليهمُ
صدقٌ وإقدامٌ وحُسنُ المقصدِ
وأنا شآميٌّ سليلُ أكارمٍ
ورث المعارجَ سيِّدًا عن سيِّدِ
وأقولُ قولي إن نطقتُ مُظفَّرًا
بمقامِ عزٍّ أو بحدِّ مُهَنَّدِ
وعليَّ من بيضِ المعالي بُردةٌ
ووِشاحُ بَهنَسَةٍ وتاجُ زُبَرْجَدِ
أرأيتَ موتورًا أضاعَ دماءَهُ
وينامُ عن ثأرٍ بغيرِ تَسَهُّدِ
أو ثائرًا حرًّا يُشيحُ فؤادَهُ
عن دمعةٍ حرّى بطَرفٍ أرمَدِ
وإذا المروءةُ في الرجالِ توقدت
تُفدى بأفلاذِ القلوبِ وتفتدي
ناظر عدوَّ الأمسِ بعدَ لِقائنا
يُنبيكَ ظهر الغيبِ عمَّا في غَدِ