يا سيِّدَ الخَلقِ، يا نُورًا بِهِ اتَّصَلَتْ
خُطَى البَشَرْ، فَسَقَوهَا الحُبَّ وَالعِطَرَا
مِنْ نُورِ وَجْهِكَ وُلِدَ الفَجْرُ مُبتَسِمًا
وَفِي ابتِسَامِكَ تَسْتَفيقُ الدُّنيا قَدَرَا
أَشتَاقُ ذِكرَكَ، لا يَروِي الفُؤَادَ سِوَى
عِطرِ الحَنَانِ الَّذِي فِي نَفسِي انْهَمَرَا
إِنِّي أُحِبُّكَ حُبًّا لَو يُقَاسُ بِهِ
حُبُّ البَريَّةِ، مَا أَوفَوهُ مَا قَدَرَا
يا رَاحَةَ النَّفسِ، إنْ نَادَتْكَ مُضطَرِبًا
عُدتَ السَّكِينَةَ تَجْلُو الوَجْدَ وَالسَّهَرَا
ما زَالَ نُورُكَ فِي الأكْوَانِ مُنتَشِرًا
يَهْدِي القُلُوبَ، فَمَنْ يَهْوَاكَ مَا انْكَسَرَا
يَا مَنْ تُنَادِيهِ أرْوَاحِي بِمَا خَفِيَتْ
مِنْ أَدْمُعِ الشَّوقِ، لَوْ تَدرِي كَمِ انْهَمَرَ
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ العَرْشِ مَا طَلَعَتْ
شَمسُ الهُدَى، وَعَلى آلٍ لَهُ أَثَرَا
يا مَنْ جَمَعْتَ المَعَالِي فِي تَبَسُّمِكَ ال
بَاهِي، وَفَاضَ عَطَاءُ اللّهِ إِذْ نَظَرَا
سَكَبْتَ فِي الأرْضِ نُورَ الحَقِّ مُتَّقِدًا
فَأَزهَرَ العَدْلُ حَتَّى أَينَعَ البَشَرَا
وَسَافَرَتْ فِي سَمَاكَ الرُّوحُ مُعْتَكِفًا
تَرْجُو لِقَاءَكَ إِنْ لَاقَتْ لَهُ خَبَرَا
أَرْجُوكَ، يَا سَيِّدِي، كُنْ لِي مُعَلِّمَ حُبٍّ
يَهْدِي العُيُونَ إِذَا مَالتْ بِهَا الفِكَرَا
إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ الأَنْفَاسَ مُخلِصَةً
تَسْعَى بِذِكْرِكَ، لا تَرجُو بِهِ ثَمَرَا
يَا مَنْ بَكَاكَ سَمَاءُ اللهِ إِذْ فُقِدَتْ
أَيَّامُكَ الغُرُّ، فَاستَوحَشّنَا القَمَرَا
لَوْ كَانَ لِلحُبِّ صَوْتٌ قَالَ كُلُّ لَهُ
يَا مُحَمَّدَاهُ، عَلَيْكَ السَّلْمُ وَالعَطَرَا
فَأَنْتَ مِفتَاحُ نُورٍ، مَنْ تَمَسَّكَ بِه
يَنجُو، وَيَبلُغُ مِنْ رِضْوَانِهِ الوَطَرَا
يَا مَنْ سَكَنْتَ فُؤَادِي كَيْفَ أَصْرِفُهُ
وَالعِطْرُ فِيكَ إِذَا نَاجَيْتُهُ عَطَرَا
سَكَنْتَ نَبْضِي فَمَا تَهْوَى العُيُونُ سِوَى
وَجْهٍ يُضِيءُ كَأَنْوَارِ السَّمَا قَدَرَا
مَاذَا أَقُولُ وَرُوحِي فِي هَوَاكَ نَمَتْ
وَصَارَ قَلْبِي عَلَى أَطْرَافِكَ السُّحُرَا
يَا مَنْ يُطِيبُ بِذِكْرَاهُ الزَّمَانُ إِذَا
مَرَّتْ بِهِ الذِّكْرَيَاتُ أَزْهَرَتْ صُوَرَا
إِنِّي رَأَيْتُكَ فِي حُلْمِي فَأَيقَظَنِي
نُورٌ تَسَامَى، وَغَشَّى النَّفْسَ وَالبَصَرَا
فَكَيْفَ أَنسَى وَقَلْبِي فِي يَدَيْكَ دُعَا
وَالرُّوحُ تَسْبَحُ فِي نُورٍ لَهُ أَثَرَا
أَرْضُ الحِجَازِ لَكَ الأَنْفَاسُ عَاطِرَةٌ
تُهْدِي لِقَدْرِكَ مَا أَحْلَى الَّذِي ذَكَرَا
كُلُّ المَحَابِرِ لَوْ خَطَّتْ مَدَائِحَهَا
مَا أَحْصَتِ الفَضْلَ، أَوْ أَحْيَتْ لَكَ السُّوَرَا
سُبْحَنَ مَنْ جَمَعَ الأَخْلاقَ فِي شَخَصٍ
كَأَنَّهُ الدُّرُّ بَيْنَ الحُسْنِ وَالصَّبَرَا
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ العَرْشِ مَا انْفَتَحَتْ
أَبْوَابُ نُورٍ، وَفِي الآفَاقِ مَا زَهَرَا
يَا مَنْ رَحِمْتَ ضُعَافَ الخَلْقِ فَانْكَسَرَتْ
لَكَ القُلُوبُ، وَسَالَ الدَّمْعُ وَانْهَمَرَا
تَمْسَحُ الجُوعَ عَنِ المِسْكِينِ مُبْتَسِمًا
كَأَنَّ فِي كَفِّكَ الرَّحْمَانُ قَدْ أَمَرَا
إِذَا أَتَاكَ يَتِيمٌ نَالَ حُضْنَكَ إِذْ
تَسْقِيهِ حُنْوَكَ حَتَّى يُورِقَ العُمْرَا
مَا مَسَّ خَدَّكَ لِلدُّنْيَا وَلَا بَطَرٍ
بَلْ كَانَ زُهْدُكَ فِي الأَحْيَاءِ مُعْتَبَرَا
تَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ مَا فِيهِمْ مُتَوَّجَةٌ
إِلَّا التَّوَاضُعُ فِي الأَعْنَاقِ قَدْ ظَهَرَا
تَغْفِرُ مَنْ ظَلَمَ الأَعْدَاءَ رَاحِمُهُمْ
وَتَسْتَمِرُّ عَلَى الإِحْسَانِ مُنْتَصِرَا
وَتَرْفَعُ النَّظْرَ لِلسَّمْحَاءِ مُبْتَهِجًا
إِذْ يَسْتَجِيبُ لَكَ الرَّحْمَنُ مَا أَمَرَا
يَا مَنْ جَمَعْتَ عُلُومَ الحَقِّ فِي كَلِمٍ
تَجْرِي كَنَبْعٍ، وَيَسْقَى مِنْهُ مَنْ صَبَرَا
لَوْ قِيلَ مَنْ رَحْمَةُ الرَّحْمَانِ مُجْتَلِياً
قُلْنَا مُحَمَّدُ، بَلْ فِي رَحْمَتِهِ بَشَرَا
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ العَرْشِ مَا رَفَعَتْ
أَكُفُّ عَبْدٍ لِرَبٍّ خَاشِعٍ نَظَرَا
يَا مَنْ تَلَقَّى وَحِيَ الرَّبِّ مُؤتَمَنًا
فَأَحْيَا بِالحَقِّ أَفْئِدَةً، وَمَا غَدَرَا
نَزَلْتَ بِاللَّوحِ وَالأَسْرَارِ مُبْتَهِجًا
فَسَالَ نُورُكَ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ نَشَرَا
مِنْ جَبَلِ النُّورِ جَاءَ الفَجْرُ مُتَّقِدًا
وَانْسَابَ فِي الكَوْنِ إِيمَانًا وَمُعْتَبَرَا
فَاهْتَزَّتِ الأَرْضُ تَسْمُو فِي مَحَبَّتِهِ
وَاسْتَبْشَرَ الخَلْقُ إِذْ جَاءَ الَّذِي نُذِرَا
تَتْلُو الكِتَابَ كَأَنْفَاسِ الرَّبِيعِ إِذَا
هَبَّ النَّسِيمُ فَأَحْيَا الزَّهْرَ وَالشَّجَرَا
قَدْ كُنتَ مِفْتَاحَ أَبْوَابِ الهُدَى وَمَنًا
تَسْعَى بِهِ الرُّوحُ لِلتَّقْوَى وَمَا فَتَرَا
يَا مَنْ إِذَا نُودِيَ اسْمُهُ ارْتَعَدَتْ
مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ أَرْكَانُ السَّمَا وَثَرَا
وَاللّهُ أَيَّدَكَ النُّورَ الَّذِي خُلِقَتْ
مِنْهُ المَلاَئِكُ، لَا يُدرَى لَهُ قَدَرَا
يَا صَاحِبَ الوَحْيِ، مَا زَالَتْ مَبَاهِجُهُ
تُسْقِي البَشَرَى، وَتُحيِي فِي المَدَى أَثَرَا
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ العَرْشِ مَا سَجَدَتْ
أَجْفَانُ عَابِدٍ، وَاسْتَغْفَرَ المُعْتَرَا
يَا حُبَّ قَلْبِي وَإِيمَانِي وَمُنْيَتِي،
يَا مَنْ بِذِكْرِكَ يَسْتَجْمِعُ الهُدَى سُكَرَا
إِنِّي أُحِبُّكَ حُبًّا لَا يُقَاسُ بِهِ
حُبُّ البَرَايَا، وَمَا أَخْفَوْا وَمَا ظَهَرَا
إِنِّي أَرَاكَ وَإِنْ غِبْتَ العُيُونُ فَلِي
فِي كُلِّ نُورٍ مِنَ الآيَاتِ مُنْحَسِرا
وَإِذَا تَنَفَّسَ فَجْرُ الأُفْقِ ذِكْرُكُمُ
عَادَ الفُؤَادُ لِنُورِ الحُبِّ مُنْصَهِرَا
قَدْ ذَابَ قَلْبِي وَمَا ذَابَتْ مَحَبَّتُهُ
حَتَّى غَدَا فِي هَوَاكَ النَّبْضُ مُنْدَثَرَا
يَا نُورَ رُوحِي وَيَا مِسْكَ الهَوَى أَبَدًا
مَا لِلْهَوَى فِيكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَرَا
لَوْ قِيلَ لِي: أَتُرِيدُ الجَنَّةَ؟ قُلْتُ لَهُمْ
بَلْ أَنْتَ جَنَّتِيَ الأُولَى وَمُدَّكَرَا
وَلَوْ سَقَوْنِي كُؤُوسَ الحُبِّ مِنْ عَسَلٍ
مَا أَرْتَوَيْتُ سِوَى ذِكْرَاكَ مُنْهَمِرَا
يَا مَنْ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ الوَفَا وَإِذَا
نَادَاكَ قَلْبٌ، أَجَبْتَ الدَّمْعَ وَالسَّهَرَا
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ العَرْشِ مَا وُجِدَتْ
فِي الخَافِقَيْنِ قُلُوبٌ تَهْتَدِي نَظَرَا
يَا طَيْبَةَ البَيْنِ، يَا مَهْوَى المَحَبَّةِ لِي،
هَلْ لِي بِوَصْلِ ثَرَاكِ الطَّاهِرِ الخَبَرَا؟
أَشْتَاقُ تُرْبَتَكِ الغَرَّاءَ مُعْتَصِمًا،
كَالطِّفْلِ يَبْكِي عَلَى أَحْلَامِهِ الكُبَرَا.
أَبْكِي المَنَازِلَ، لا أَبْكِي عَلَى حَجَرٍ،
بَلْ أَبْكِي الحُبَّ، إِذَا مَا الحُبُّ قَدْ حَضَرَا.
هَذَا الهَوَى دَمْعُهُ يَجْرِي عَلَى أَمَلٍ،
وَالفِكْرُ يَرْسُمُ وَجْهًا بَانَ وَازْدَهَرَا.
يَا نُورَ طَيْبَةَ، هَلْ تَرْضَى لِغُرْبَتِنَا؟
قَدْ طَالَ بُعْدُ الدُّنَا وَالشَّوْقُ قَدْ سَعَرَا.
لَوْ كَانَ لِي جَنَاحٌ مِثْلُ مَلْكِ سَمَا،
طِرْتُ إِلَيْكَ وَخَلَّيْتُ الهَوَى سَفَرَا.
يَا سَيِّدَ الخَلْقِ، قَلْبِي فِي رُبُوعِكُمُ،
يَرْجُو لِقَاءً، وَيَخْشَى أَنْ يُرَى خَطَرَا.
مَا ضَاعَ مَنْ ذَكَرُوا طَيْبَةْ وَقَلْبُهُمُ،
يَسْتَغْفِرُ الدَّمْعُ فِيهِمْ كَيْفَ مَا ذَكَرَا.
هَذَا الحَنِينُ نِدَاءٌ لَا سُكُونَ لَهُ،
يَسْكُنُ الجِسْمَ، لَكِنْ يَصْعَدُ الفِكَرَا.
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ العَرْشِ مَا نَهَضَتْ،
أَرْوَاحُنَا لِرُؤَاكَ الشَّوْقُ وَانْفَطَرَا.
نُورٌ أَتَى فِي الدُّجَى، فَانْشَقَّ مُقْلُدُهُ،
وَانْجَابَ ظُلْمُ اللَّيَالِي، وَاسْتَبَانَ سَرَا.
سَارَتْ بِنُورِكَ أَرْوَاحٌ وَمَجْرَتُهَا،
تَهْتَزُّ مِنْ بَهْجَةِ التَّنْزِيلِ إِذْ قَرَأَا.
مَا زُلْتَ تَسْطَعُ فِي الآفَاقِ مُعْجِزَةً،
يَسْجُدُ النُّورُ فِي عَيْنَيْكَ إِذْ نَظَرَا.
خَطَوْتَ فَانْفَتَحَتْ أَبْوَابُ مَرْحَمَةٍ،
وَانْهَالَ مِنْ حُسْنِ رِضْوَانِ الإِلَهِ جَرَا.
كَلَّمْتَ حَجَرًا، فَاسْتَجْوَى لِطِيبَتِهِ،
وَسَبَّحَ الطِّينُ إِذْ فِي لَمْسِكَ انْفَطَرَا.
وَالطَّيْرُ نَاحَ عَلَى غُصْنٍ يُجَالِسُهُ،
يَبْكِي وَيَسْمُو إِذَا نَادَاكَ وَاسْتَقَرَا.
وَالظِّلُّ يَمْشِي إِذَا مَشَيْتَ مُتَّبِعًا
خَلْفَ الخُطَى أَدَبًا أَلَّا يُرَى صَدْرَا
يَخْشَى التَّقَدُّمَ، إِجْلَالًا لِطَلْعَتِكَ
فَالنُّورُ قَبْلَكَ لَمْ يَعْرِفْ لَهُ أَثَرَا.
وَالْبَدْرُ يَغْرِقُ فِي أَسْمَائِكَ انْبِهَارًا،
وَيَسْتَحِي نُورُهُ لَمَّا لَكَ انْحَصَرَا.
مَنْ لِلْجِبَالِ سِوَاكَ الرَّاحُ تَلْمَسُهُ،
فَتَنْحَدِرُ خَاشِعَاتٍ وَهْيَ قَدْ غَمَرَا.
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ العَرْشِ مَا وُضِعَتْ،
فِي الكَوْنِ آيَةُ حَقٍّ تُبْدِي لَنَا الأَثَرَا.
يَا مَنْ جَمَعْتَ جَمَالَ الخَلْقِ فِي خُلُقٍ،
فَاسْتَسْلَمَ الحُسْنُ إِذْ رَآكَ وَانْحَسَرَا.
لَوْ جَاءَ ذِكْرُكَ فِي أَسْمَاءِ مَلْكِ هُدًى،
لَانْخَسَفَ البَدْرُ مِنْ نُورٍ لَكَ انْبَهَرَا.
وَإِذَا تَبَسَّمْتَ أَضْحَى الوَرْدُ مُرْتَعِدًا،
وَانْحَنَى الطِّيبُ فِي أَنْفَاسِهِ اعْتَذَرَا.
وَإِذَا سَكَتَّ تَحَدَّثَ الحِلْمُ فِي شَفَتٍ،
تُلْقِي السَّكِينَةَ، لا غِلًّا، وَلا ضَجَرَا.
مَا مَسَّ كَفُّكَ إِلَّا زَانَهُ قَدَرٌ،
وَمَا نَظَرْتَ إِلَى ذِي عُسْرٍ إِلَّا بَرَا.
يَسْعَى لِعَطْفِكَ مَنْ فِي الأَرْضِ قَاطِبَةً،
حَتَّى العِدَاةُ تَرَاهُ الرَّاحَ إِذْ نَظَرَا.
يَغْفِرْتَ لِمَنْ آذَاكَ، وَاحْتَسَبَتْ
رُوحُ العَظِيمِ لِوَجْهِ اللهِ مَا صَبَرَا.
يَا سَيْدَ الحِلْمِ، يَا بَحْرَ السَّمَاحَةِ، يَا
رَحْمَةً تَسْكُنُ الأَرْوَاحَ وَالفِكَرَا.
قَدْ زَانَ ذِكْرُكَ تَاجَ الخُلْدِ مُتَّصِلًا،
وَصَارَ حُبُّكَ فِي الأَكْوَانِ مُنْتَشِرَا.
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ العَرْشِ مَا نَبَضَتْ،
فِي الخَافِقَيْنِ قُلُوبٌ تُطْفِئُ السَّقَرَا.
يَا رَاحِمَ الضُّعَفَا، مَا مَسَّ قَلْبَكَ إِلَّا
رِقٌّ يُذِيبُ الحَجَا وَيُخْجِلُ البَشَرَا.
تَمْشِي فَيَلْحَقُكَ المِسْكُ الَّذِي عَرَفَتْ
أَرْجَاؤُهُ طِيبَ نَفْسٍ زَانَهَا خُبَرَا.
وَتَرْفَعُ الطِّفْلَ فِي حُضْنٍ كَأَنَّ بِهِ
كُلَّ المَلَائِكِ فِي عَيْنَيْهِ مُنْحَدَرَا.
وَتَمْسَحُ الدَّمْعَ عَنْ عَيْنِ اليَتِيمِ وَقَدْ
أَضْحَى بِلَمْسِكَ فَوْقَ النَّجْمِ مُقْتَدِرَا.
تَحْنُو عَلَى الأُمَّةِ البَكَّاءِ فِي خَطَرٍ،
وَتَسْتَرُ العَارِ، لَا تَرْجُو بِهِ وَطَرَا.
وَتَسْتَبِينُ لَكَ الآلَامُ مُبْتَسِمًا،
كَأَنَّ صَبْرَكَ بَحْرٌ لَا يُحَدُّ ذَرَا.
تُعْطِي وَلَا تَمْنُنُ الأَيْدِي بِعَطْيَتِهَا،
وَتَغْفِرُ الذَّنْبَ حَتَّى مَنْ جَفَاكَ سَرَا.
يَا رُوحَ كُلِّ كَرِيمٍ، يَا سَنَاءَ هُدًى،
يَا نُورَ مَنْ خَافَ رَبًّا ثُمَّ قَدْ شَكَرَا.
لَوْ كَانَ حِلْمُكَ بَحْرًا، مَا أَحَاطَ بِهِ
شِعْرُ البَلِيغِ وَلَا وَصْفُ الَّذِي نَظَرَا.
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ العَرْشِ مَا بَهَرَتْ
شَمْسُ النَّهَارِ، وَمَا نَاجَى الدُّجَى قَمَرَا.
صَلِّوا عَلَيْهِ، فَفِي الأَذْكَارِ مَغْفِرَةٌ،
وَفِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ النُّورُ وَالعِبَرَا.
ذِكْرُ الحَبِيبِ شِفَاءُ القَلْبِ إِنْ وَجَعَتْ،
بِهِ القُلُوبُ تَرَى الإِيمَانَ مُنْحَصِرَا.
مَا أَطْيَبَ الذِّكْرَ فِي لَيْلٍ يُنَادِينَا،
إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ زَانَ مَنْ حَضَرَا.
إِنْ قُلْتَ "اللَّهُمَّ صَلِّ"، اهْتَزَّ مَلَكُوتٌ،
يُسَبِّحُ الحُبُّ فِي الأَرْجَاءِ مُنْهَمِرَا.
تَتَفَتَّحُ الزَّهْرَةُ البَيْضَاءُ فِي فَرَحٍ،
وَيَبْتَسِمُ النُّورُ فِي الأَكْوَانِ إِذْ ذُكِرَا.
وَيُورِقُ الدَّمْعُ فِي الأَحْزَانِ مُبْتَهِجًا،
كَأَنَّ رُوحَكَ فِي الأَحْزَانِ قَدْ حَضَرَا.
مَا مِنْ مُصَلٍّ عَلَيْكَ إِلَّا وَقَدْ نُشِرَتْ،
لَهُ مِنَ النُّورِ أَسْرَارٌ وَمَا سَتَرَا.
فَكَيْفَ أَغْفَلُ عَنْ ذِكْرٍ يَرُدُّ دَمِي؟
إِذَا ذَكَرْتُكَ، عَادَ الحُبُّ وَافْتَخَرَا.
صَلِّيتُ شَوْقًا، فَفِي قَلْبِي تَفَتُّحُهُ،
يُزْهِرُ كَالوَرْدِ إِنْ نَادَاكَ مُنْتَظَرَا.
صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ العَرْشِ مَا نَبَضَتْ،
فِي العَالَمِينَ قُلُوبٌ تُسْعِدُ البَصَرَا.
وَإِذَا دَخَلْنَا جِنَانَ الخُلْدِ مُبْتَهِجِينَ،
غَشَّى القُلُوبَ سَنَا الإِيمَانِ وَازْدَهَرَا.
تَهُبُّ نَسْمَاتُهَا وَالعِطْرُ مُنْفَتِحٌ،
كَأَنَّ فِيهَا رُوحَ الحَبِيبِ قَدِ انْتَشَرَا.
نَمْشِي وَنَسْأَلُ: أَيْنَ المُصْطَفَى نَظَرِي؟
قَدْ ذَابَ قَلْبِيَ شَوْقًا حِينَ قَدْ ذَكَرَا.
فَنُبْصِرُ النُّورَ يَسْطَعُ فَوْقَ رَوْضَتِهِ،
فَنَحْمِلُ الطِّيبَ وَالأَفْرَاحَ وَالزَّهَرَا.
نُقَبِّلُ اليَدَ تَبْجِيلًا وَمَحْبَتَنَا،
تُسِيلُ دَمْعًا كَنَهْرٍ طَالَ مَا انْهِمَرَا.
يَبْتَسِمُ الحَبِيبُ، وَالأَنْوَارُ مُشْتَعِلَةٌ،
كَأَنَّهُ البَدْرُ فِي أَفْقِ السَّمَا انْفَجَرَا.
يَقُولُ: "سَلَّمْتُمُو، لا خَوْفَ يَلْحَقُكُمْ،
قَدْ غَفَرَ اللَّهُ مَا كَانَ الَّذِي سَطَرَا".
فَنَحْنُ نَضْحَكُ فِي نُورٍ وَفِي طَرَبٍ،
كَأَنَّنَا فِي رُبَى الأَفْرَاحِ قَدْ سُحِرَا.
فَيَجْلِسُ النَّاسُ حَوْلَ الحَبِّ يَنْظُرُهُمْ،
وَيَرْتَشِفْنَ مِنَ الأَنْسَامِ وَالسُّوَرَا.
يَا نَفْسُ طُوبَى لِمَنْ أَحْيَا هَوَاهُ بِهِ،
وَصَانَ قَلْبًا بِذِكْرِ المُصْطَفَى عَطِرَا.
هُنَاكَ عِنْدَ العُرُوشِ النُّورُ مُتَّقِدٌ،
وَالذِّكْرُ يَسْبَحُ فِي الأَفْلَاكِ مُنْهَمِرَا.
ياتَهْتِفُ الحُورُ: "هَذَا المُصْطَفَى شَرَفٌ،
بِهِ اسْتَنَارَ جَنَانُ الخُلْدِ وَازْدَهَرَا".
عِنْدَ الكَوَاثِرِ يَجْرِي المَاءُ مِنْ يَدِهِ،
يَسْقِي العِبَادَ كَرِيمًا مَا نَضَبَ المَجْرَا.
فَيَرْتَوِي المُؤْمِنُونَ مِنْ سَنَاهُ رِضًا،
وَيَشْرَبُونَ نَقَاءً لَا يُرَى كَدَرَا.
وَالعُودُ يُسْبِحُ فِي أَرْجَاءِ مَجْلِسِهِ،
وَالنُّورُ يَرْقُصُ فِي الأَرْوَاحِ إِذْ حَضَرَا.
يَجْلِسُ البَدْرُ مَحْمُودًا وَمَلْكُهُ فَخَرٌ،
قَدْ أَخْضَعَ الكَوْنُ لِلأَنْوَارِ وَافْتَخَرَا.
تَسِيرُ أَلْفُ مَلَاكٍ حَوْلَ طَيْفِهِمُ،
يُسَبِّحُونَ وَقَدْ طَافُوا بِهِ زُمَرَا.
وَفِي الجِنَانِ رَسُولُ اللَّهِ مُبْتَهِجٌ،
قَدْ أَسْكَنَ اللَّهُ فِي عَيْنَيْهِ قَدَرَا.
يَنْظُرْ إِلَيْنَا وَيَدْعُو: "رَبِّ فَارْحَمْهُمُ"،
فَنَشْهَدُ الحُبَّ مِيثَاقًا وَمُعْتَبَرَا.
فَيَهْتَدِي كُلُّ مَنْ قَدْ كَانَ يَذْكُرُهُ،
وَيَرْتَقِي فَوْقَ سُحْبِ الحُبِّ مُنْفَجِرَا.
تَسْرِي الأَرَاحُ فِي جَنَّاتِهِ طَرِبًا،
تُنَاجِي الحَبِيبَ وَقَدْ أَضْحَى لَهَا قَمَرَا.
تَقُولُ: يَا سَيِّدَ الدُّنْيَا وَمُلْهَمَهَا،
كَيْفَ السَّبِيلُ لِقَلْبٍ كَانَ قَدْ حَضَرَا؟
فَيَبْتَسِمْ، وَيَقُولُ: "الحُبُّ مِيثَاقُنَا،
مَنْ كَانَ صَادِقَهُ فِي الحُبِّ قَدْ ظَفِرَا".
تَهْتَزُّ أَرْوَاحُنَا نُورًا وَمَعْرِفَةً،
وَيَفْتَتِحُ السِّرُّ أَبْوَابًا وَمَا انْكَسَرَا.
نَرَى المَحَبَّةَ فِي الأَنْفَاسِ مُشْتَعِلَةً،
كَأَنَّهَا الوَحْيُ يَجْرِي فِي الدِّمَا سُكَرَا.
تَهْتِفُ الأَطْيَارُ فِي أَفْنَانِ رَوْضَتِهِ،
"صَلُّوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَحْيَا لَكُمْ سَفَرَا
وَتَرْقُصُ الزَّهْرُ طَوْعًا حِينَ تَسْمَعُهُ،
فَتُخْضِبُ الأَرْضَ أَلْوَانًا وَعِطْرَ ذُرَا.
وَتَهْبِطُ الرُّوحُ تَزْدَانُ البَرَايَا بِهَا،
كَأَنَّهَا مِنْ رُبَى الإِسْرَاءِ قَدْ عَبَرَا.
كُلُّ الجِمَالِ إِذَا مَرَّتْ خَيَالَتُهُ،
تُذَابُ فِيهِ، فَمَا أَبْقَتْ وَلَا أَثَرَا.
فَسُبْحَانَ مَنْ جَمَّلَ الأَكْوَانَ مِنْ نَسَمٍ،
مِنْ نُورِ طَهَ، وَبِاسْمِ الحُبِّ قَدْ أَسْفَرَا.
لَمَّا تَنَزَّلَ وَحْيُ اللهِ مُعْتَلِمًا،
أَضَاءَ مِنْ نُورِهِ الأَفْقَانِ وَانْفَجَرَا.
جَاءَ الأَمِينُ، وَفِي عَيْنَيْهِ مَسْكَنُهُ،
يَقُولُ: "اقْرَأِ"، فَتَسَاقَطَ جَبَلُ الْوَقَرَا.
فَارْتَجَّ مَكَّةُ، وَالإِسْلامُ مُنْبَثِقٌ،
وَاللَّيْلُ يَشْهَدُ أَنْوَارًا وَمَا حُصِرَا.
مِنْ نُورِ طَهَ سَرَى الإِشْرَاقُ مُنْبَعِثًا،
فَأَزْهَرَتْ أَرْضُنَا، وَالعِطْرُ قَدْ عَبَرَا.
وَالطَّيْرُ غَنَّى، وَنَادَى النُّورُ مُبْتَهِجًا،
هَذَا الحَبِيبُ الَّذِي بِالرَّحْمَةِ اشْتُهِرَا.
يَمْشِي فَيَخْضَرُّ وَادٍ كَانَ مُحْتَرِقًا،
وَيُورِقُ الصَّخْرُ إِنْ مَرَّتْ بِهِ أَثَرَا.
يَغْفِرُ لِلنَّاسِ، لَا يَحْقِدْ وَلَا يَغْوِضُ،
وَيَسْكُنُ الحِلْمُ فِي أَجْفَانِهِ وَقَرَا.
تَتْلُو الجِبَالُ صَلَاةَ اللهِ فِي طَرَبٍ،
وَالأَرْضُ تَسْجُدُ إِذْ يَمْشِي وَيَسْتَقِرَا.
بِهِ تَغَيَّرَ وَجْهُ الأَرْضِ مُبْتَهِجًا،
وَالنُّورُ فِي كُلِّ أَرْجَاءِ المَدَى انْتَشَرَا.
فَصَارَ كُلُّ وُجُودٍ يَهْتَدِي بِيَدٍ،
مِنْ نُورِهِ قَدْ بَنَى الإِيمَانَ وَازْدَهَرَا.
سَارَ الحَبِيبُ، وَفِي الأَحْشَاءِ مِشْعَلُهُ،
يَدْعُو البَرَايَا لِوَجْهِ الحَقِّ مُنْتَصِرَا.
لَمْ يَخْشَ جَوْرًا وَلَا بَطْشًا وَلَا خَطَرًا،
فَالنُّورُ يَحْمِلُهُ إِيمَانُهُ ظَفَرَا.
يَمْشِي وَقَلْبُهُ لِلرَّحْمَنِ مُنْصَرِفٌ،
مَا نَالَهُ مِنْ أَذًى إِلَّا وَقَدْ صَبَرَا.
حَجَرُ الطُّفُولَةِ لَمْ يَنْسَفْ رِقَّةَ نَفْسِهِ،
بَلْ زَادَهُ اللُّطْفُ إِشْرَاقًا وَمَا غَدَرَا.
إِذْ طَالَهُ القَوْمُ بِالإِيلَامِ مُقْبِلَهُمْ،
قَالَ: "اهْدِ قَوْمِي، فَقَدْ أَضَلُّوا وَقَدْ جَهِلَا".
فَسَارَ يَحْمِلُ فِي الأَحْشَاءِ مَوْعِظَةً،
تُبْدِي النَّهَارَ وَفِي أَحْشَائِهَا قَدَرَا.
يَدْعُو إِلَى اللهِ، لَا يَبْغِي سِوَى أَمَلٍ،
أَنْ يَرْتَقِيَ النَّاسُ نُورًا بَعْدَ مَا غُبِرَا.
حَتَّى إِذَا نَزَلَ النَّصْرُ الَّذِي وَعَدُوا،
أَضْحَى الظَّلَامُ هَوًى وَالنُّورُ قَدْ ظَهَرَا.
فَفَاضَتِ الأَرْضُ تَسْبِيحًا وَمَغْفِرَةً،
وَالعَدْلُ قَدْ سَكَنَ الدُّنْيَا وَمَا اضْطَجَرَا.
وَالنَّاسُ قَدْ دَخَلُوا فِي الدِّينِ مُبْتَهِجِينَ،
وَاللَّهُ أَكْبَرُ، صَوْتُ الحَقِّ قَدْ ظَفَرَا.
لَمَّا أَتَى مَكَّةَ الغَرَّاءَ مُنْتَصِرًا،
أَلْقَى الرُّؤُوسَ وَقَالَ الحَقُّ: قَدْ ظَهَرَا.
مَا نَفَضَ التُّرْبَ عَنْ أَرْجَاءِ مِعْرَكِهِ،
إِلَّا وَقَالَ: "إِلَهِي أَنْتَ مَنْ غَفَرَا".
دَخَلَ الحَرَامَ وَفِي الأَعْيُنْ دُمُوعُهُمُ،
وَالْحِجْرُ يَضْحَكُ إِذْ يَرْنُو لَهُ بَصَرَا.
طَافَ الحَبِيبُ، وَفِي كَفَّيْهِ أَمْنِيَةٌ،
أَنْ يَسْكُنَ النَّاسُ حُبًّا بَعْدَ مَا نَفَرَا.
وَسَكَنَ المَدِينَةَ الغَرَّاءَ مُبْتَهِجًا،
تَهْفُو القُلُوبُ لِثَرَاهَا كَيْفَ مَا ذَكَرَا.
يَمْشِي فَتَرْفَعُ نَخْلَاتُ الْحِمَى رَأْسَهَا،
وَتَنْحَنِي أَرْضُ طَيْبَةَ حِينَ قَدْ عَبَرَا.
يُصَلِّي الفَجْرَ، وَالأَنْوَارُ مُنْهَمِرَةٌ،
تَغْسِلُ الوَجْدَ، وَالأَرْوَاحُ قَدْ سَحَرَا.
وَالمَسْجِدُ النُّورُ، مَحْفُوفٌ بِمِسْكِهِمُ،
يَهْتِفُ: صَلُّوا عَلَى الهادي الَّذِي نُصِرَا.
كُلُّ الحِجَارَةِ تُلْقِي السَّلْمَ حِينَ مَضَى،
وَالزَّهْرُ يَبْسِمُ إِنْ لَاحَتْ لَهُ أَثَرَا.
فَطِيبَةٌ جَنَّةٌ، فِيهَا السَّكِينَةُ، لَا
يَأْسَى بِهَا قَلْبُ مَنْ فِي الحُبِّ قَدْ ظَفَرَا.
وَحِينَ أَشْرَفَ نُورُ العُمْرِ يَرْحَلُ عَنْ،
دُنْيَاهُ، خَيَّمَ حُزْنٌ فِي الدُّنَا وَغَرَا.
مَرِضَ الحَبِيبُ، فَبَاتَ الجَذْعُ مُنْتَحِبًا،
وَالنُّورُ يَبْكِي، وَحُزْنُ الأَنْفُسِ انْفَجَرَا.
أَبْصَرْتَ عَيْنُ عَلِيٍّ وَهْيَ مُنْخَفِضَةٌ،
تَغْشَاهُ دَمْعَاتُهُ تُرْوِي لَهُ الخَبَرَا.
وَالصِّدِّيقُ يَبْكِي وَفِي عَيْنَيْهِ مِئْذَنَةٌ،
تُنَادِي: "رُوحُ مُحَمَّدٍ قَدِ انْتَصَرَا".
وَالفَارُوقُ أَطْبَقَ سَيْفَ الحَقِّ مِنْ وَجَلٍ،
مَا كَانَ يَصْدُقُ أَنَّ النُّورَ قَدْ سَفَرَا.
زَفَّتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَنِ أَرْوَاحَهُ،
فَاهْتَزَّ عَرْشُ الإِلَهِ وَالنَّدَى انْهَمَرَا.
وَالأَرْضُ تَبْكِي وَتَبْكِي السَّمْعُ مُنْصَتَةً،
حَتَّى الحِجَارَةُ قَدْ نَاحَتْ لَهُ حَجَرَا.
فَالشَّمْسُ أَغْمَضَتِ الأَنْوَارَ مِنْ خَجَلٍ،
وَالْبَدْرُ أَطْفَأَ مِنْ دَمْعِ الحَنِينِ سَرَا.
يَا وَيْحَ قَلْبٍ عَلَى فَقْدِ الحَبِيبِ بَكَى،
مَا طَابَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ مُسْتَقَرَا.
وَبَاتَ كُلُّ وُجُودٍ فِي أَسًى وَهَنٍ،
يَنْدُبْ حَبِيبًا إِلَى الرَّحْمَنِ قَدْ سُفِرَا.
وَانْسَابَ نُورُكَ فِي الأَرْوَاحِ مُنْفَتِحًا،
يَحْيَا بِهِ الحُبُّ، يَسْقِي القَلْبَ وَالفِكَرَا.
مَا غَابَ طَيْفُكَ، بَلْ زَادَتْ حَقِيقَتُهُ،
فِي كُلِّ نَفْسٍ تُنَادِي ذِكْرَكَ العَطِرَا.
وَالنُّورُ فِي الأُفُقِ المَسْكُونِ يَشْتَعِلُ،
كَأَنَّهُ مِنْ نُدَى تَسْبِيحِكَ انْفَجَرَا.
وَالأَرْضُ تَبْسِمُ بَعْدَ الدَّمْعِ مُزْدَهِرَةً،
إِذْ قَدْ تَخَلَّقَ مِنْ نُورِ الرَّسُولِ ذُرَا
وَالبَدْرُ يَسْجُدُ إِذْ يَسْمُو بِنُورِكُمُ،
وَيَغْتَسِلْ مِنْ هُدَاكَ الفَجْرُ إِذْ حَضَرَا.
وَالمَسْجِدُ الحَرَمُ الغَرَّاءُ أَرْكُنُهُ،
تَهْتَزُّ شَوْقًا إِذَا مَرَّ الحَدِيثُ سَرَا.
يَا نُورَ رُوحِ البَرَايَا كُلَّهَا رَحِمًا،
فِي ذِكْرِكَ السِّرُّ قَدْ طَابَ الَّذِي قَرَرَا.
مَا مِتَّ، بَلْ أَنْتَ فِي الأَيَّامِ مُعْجِزَةٌ،
يَحْيَا بِهَا الكَوْنُ إِنْ ضَاقَتْ بِهِ السُّبُلَا.
لَوْ غَابَ ذِكْرُكَ، مَا أَضْحَى لَنَا أَمَلٌ،
وَلَا رَأَيْنَا لِوَجْهِ الحُبِّ مُنْفَطِرَا.
عُدْنَا إِلَيْكَ وَقَدْ أَضْنَانَا زَمَنٌ،
فَكُنْ لَنَا مَوْئِلًا، نُحْيِي بِكَ السُّورَا
يَا سَيِّدَ الخَلْقِ، مَا أَحْلَاكَ مُبْتَسِمًا،
إِذْ يُورِقُ الحُزْنُ فِي عَيْنَيْكَ أَزْهَرَا.
تَسْرِي مَحَاسِنُكَ الكُبْرَى بِأَنْفَاسِنَا،
فَتُنْبِتُ الرُّوحُ بَعْدَ اليَأْسِ وَالضَّجَرَا.
لَوْ لَمْ تَجِئْ، لَظَلَّ الكَوْنُ مُعْتِمَهٌ،
وَمَا بَرَزْنَا إِلَى نُورٍ وَمَا انْفَطَرَا.
فَضْلًا عَلَيْكَ، وَمِنْ نُورِ الإِلَهِ أَتَى،
تَرْقَى بِهِ الأَنْفُسُ الْعَطْشَى وَمَا افْتَقَرَا.
أَنْتَ الَّذِي جَاءَ بِالإِسْلَامِ مُنْقِذَنَا،
وَالرُّوحُ تَهْتِفُ: "قَدْ أَحْيَيْتَنَا بَشَرَا".
يَا مَنْ بَرَاكَ إِلَهُ الْعَرْشِ فِي قَدَرٍ،
فَصِرْتَ لِلنُّورِ مِيزَانًا وَمُعْتَبَرَا.
أَنْتَ المَعَانِي وَسِرُّ الحُسْنِ مُجْتَمِعٌ،
فِي طَيْفِكَ العِطْرُ، مَا أَحْلَاهُ إِذْ سَحَرَا.
نَهْرُ الحَنَانِ إِذَا مَرَّتْ خُطَاكَ عَلَى،
رَمْلِ الطُّفُولَةِ، أَحْيَا الزَّهْرُ وَانْفَطَرَا.
مَا نَحْنُ إِلَّا ظِلَالٌ فِي جَلَالِكُمُ،
تَمْتَدُّ فِي الدَّهْرِ لا تَبْغِي لَهُ بَدَلَا.
تَبْقَى، وَيَفْنَى الزَّمَانُ كُلَّمَا رَسَمَتْ،
أَسْمَاؤُكَ النُّورَ فِي الآفَاقِ مُنْتَشِرَا.
مِنْ نُورِ طَيْفِكَ قَامَ العُرْبُ فِي شَرَفٍ،
وَاسْتَافَقَ الشَّرْقُ يَرْجُو وَجْهَكَ القَمَرَا.
وَسَارَ نُورُكَ فِي الغَرْبِ انْتِشَاءَ هُدًى،
حَتَّى الْقُلُوبُ بِذِكْرِ اللهِ قَدْ سَكَرَا.
تَفُوحُ رِيحُكَ فِي الأَكْوَانِ مُنْعَبِقًا،
كَالطِّيبِ يَسْكُنُ فِي الأَرْوَاحِ وَالعُمُرَا.
تَتْلُوكَ أَفْوَاهُ مَنْ فِي الأَرْضِ قَاطِبَةً،
تُرْسِلُ الحُبَّ نُورًا فَوْقَهُ الْبَصَرَا.
يَا سَيِّدَ النُّورِ، مَا أَحْلَاكَ فِي كَلِمٍ،
تُحْيِي المَوَاتَ وَتُجْرِي الحُقَّ وَالسُّوَرَا.
فِي كُلِّ صَوْتٍ نِدَاءٌ مِنْ مَحَبَّتِهِ،
يَدْعُو إِلَيْكَ، فَيَرْقَى الرُّوحُ إِذْ ذَكَرَا.
تَرْنُو إِلَيْكَ عُيُونُ الكَوْنِ مُنْبَهِرًا،
فِي حُسْنِ طَلْعَتِكَ الإِشْرَاقُ وَالظُّفَرَا.
وَالعُودُ يُنْشِدُ فِي أَنْغَامِهِ سَكَنًا،
إِذْ يُرْسِلُ الحُبَّ أَلْحَانًا وَمَا فَتَرَا.
حَتَّى الجِبَالُ، إِذَا نَادَيْتَ، تَرْتَعِدُ،
وَيَهْتَزُّ فِيهَا الحَنِينُ إِذْ لَهُ ظَهَرَا.
أَنْتَ الَّذِي سَكَنَتْ فِي النَّفْسِ مَعْرِفَةٌ،
مِنْ نُورِ طَهٍ إِلَى الآفَاقِ قَدْ نَشَرَا.
سَنَّتُهُ فِي القُلُوبِ شُعَاعٌ وَسَنَاءٌ،
يُحْيِي الرُّوحَ وَيُنْبِتُ فِي الأَرْضِ أَمْثَرَا.
فِي كُلِّ نَفْسٍ أَضَاءَتْ طُرُقَهُ الْهُدَى،
كَأَنَّ اللَّيْلَ مِنْ نُورِهَا قَدِ انْفَطَرَا.
مَا مَسَّ الأَرْضَ الظُّلْمُ إِلَّا وَجَاءَ هُدَاهُ،
فَصَارَتِ الْأُمَمُ بِالحَقِّ وَالنُّورِ مُشْتَرَا.
تَرَاهُ النُّفُوسُ فِي الطُّهْرِ مُلْهِمَةً،
تَسْرِي بِذِكْرِهِ وَتَنْشُدُ الْحُقَّ وَسَحَرَا.