فِي آخِرِ الْمَمَرِّ...
حَيْثُ تَنَامُ الظِّلَالُ...
عَلَى خَاصِرَةِ الْوَقْتِ...
كَانَ هُنَاكَ...
حَرْفٌ...
يَتَعَثَّرُ فِي فَمِ اللُّغَةْ...
لَا اسْمَ لَهُ...
لَا صَوْتَ يُشْبِهُهُ...
وَلَا أَبْجَدِيَّةٌ...
تَتَبَنَّاهُ أَمَامَ الْمَلأْ...
حَرْفٌ...
خَرَجَ مِنْ جُثَّةِ قَصِيدَةٍ...
قُتِلَتْ عَمْدًا...
فِي زِحَامِ الْبَلَاغَةْ...
وَكَانَ يَسِيرُ...
مَكْسُورَ النُّقْطَةِ...
يَنْزِفُ مِنْ حَوَافِّ الْمَعْنَى...
كَأَنَّهُ...
نَاجٍ أَخِيرٌ...
مِنْ مَجْزَرَةِ الْكَلَامْ...
قَالُوا...
هَذَا الْحَرْفُ...
مُتَمَرِّدٌ عَلَى الْقَوَاعِدْ...
وَقَالَ النُّحَاةُ...
إِنَّهُ يُشْبِهُ الْفَوْضَى...
وَيُهَدِّدُ أَمْنَ الْجُمْلَةْ...
وَقَالَتِ الْقَوَافِي...
إِنَّهُ لَا يَنْتَمِي...
لِأَيِّ بَحْرٍ مَعْرُوفْ...
أَمَّا الْعَرُوضُ...
فَرَفَعَ مَلَفَّهُ الْأَسْوَدَ...
وَقَالَ بِبُرُودِ قَاضٍ عَجُوزْ...
هَذَا الْحَرْفُ...
كَسَرَ الْوَزْنَ...
وَأَفْسَدَ نِظَامَ الْمُوسِيقَى...
وَأَدْخَلَ الشَّكَّ...
فِي يَقِينِ الْقَصِيدَةْ...
لَكِنَّ الْحَرْفَ...
لَمْ يَتَكَلَّمْ...
كَانَ يَنْظُرُ فَقَطْ...
إِلَى السَّقْفِ...
كَأَنَّهُ يَبْحَثُ...
عَنْ سَمَاءٍ...
تَسَعُ غُرْبَتَهْ...
وَفِي عَيْنَيْهِ...
كَانَ هُنَاكَ...
لَيْلٌ طَوِيلْ...
لَيْلٌ...
تَخْتَبِئُ فِيهِ...
جُثَثُ التَّشْبِيهَاتِ الْقَدِيمَةْ...
وَأَصَابِعُ الشُّعَرَاءِ...
الَّذِينَ مَاتُوا...
وَهُمْ يُحَاوِلُونَ...
تَرْمِيمَ اللَّهْفَةْ...
أَدْخَلُوهُ الْمَحْكَمَةْ...
كَانَتِ الْمَقَاعِدُ...
مَصْنُوعَةً...
مِنْ خَشَبِ الْقَوَامِيسْ...
وَكَانَتِ الْجُدْرَانُ...
مُعَلَّقَةً...
بِجَمَاجِمِ الِاسْتِعَارَاتْ...
وَفِي الْمُنْتَصَفِ...
وَقَفَ الْمَعْنَى...
مَصْلُوبًا...
بَيْنَ تَأْوِيلَيْنْ...
الْقَاضِي...
كَانَ فَاصِلَةً مُتَغَطْرِسَةْ...
لَهُ شَارِبٌ...
مِنْ عَلَامَاتِ التَّعَجُّبْ...
وَصَوْتٌ...
يُشْبِهُ اصْطِكَاكَ الْحَدِيدْ...
ضَرَبَ الطَّاوِلَةَ...
بِمِطْرَقَةٍ...
مَصْنُوعَةٍ...
مِنْ عِظَامِ الْبَلَاغَةْ...
ثُمَّ صَاحَ...
أَيُّهَا الْحَرْفُ التَّائِهْ...
أَتَعْتَرِفُ...
أَنَّكَ خَرَقْتَ قَانُونَ اللُّغَةْ...
رَفَعَ الْحَرْفُ رَأْسَهُ بِبُطْءْ...
وَكَانَ التَّعَبُ...
يَتَسَاقَطُ...
مِنْ عَيْنَيْهِ...
مِثْلَ مُدُنٍ مُحْتَرِقَةْ...
قَالَ...
نَعَمْ...
أَعْتَرِفُ...
لَكِنِّي...
لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ...
عَنِ الْفَوْضَى...
كُنْتُ أَبْحَثُ...
عَنْ نَافِذَةٍ...
لَا تُطِلُّ...
عَلَى الْمَقَابِرْ...
ضَحِكَتِ الْمَحْكَمَةْ...
ضَحِكَتْ...
حَتَّى اهْتَزَّتِ الْكَرَاسِي...
وَتَسَاقَطَ غُبَارُ الْمَعَاجِمْ...
قَالَ أَحَدُهُمْ...
الْحُرُوفُ لَا تَحْلَمْ...
وَقَالَ آخَرُ...
الْمَعَانِي تُولَدُ مُطِيعَةْ...
أَمَّا الْحَرْفُ...
فَكَانَ يَبْتَسِمُ...
كَمَنْ يَعْرِفُ...
أَنَّ الْجُنُونَ...
هُوَ الصِّيغَةُ الْوَحِيدَةُ...
لِلنَّجَاةْ...
وَفِي زَاوِيَةِ الْقَاعَةْ...
كَانَتْ قَصِيدَةٌ عَمْيَاءْ...
تَبْكِي بِصَمْتْ...
كُلَّمَا سَمِعَتْ...
صَوْتَ الْحَرْفِ...
ارْتَجَفَ الْبَحْرُ...
دَاخِلَ أَضْلُعِهَا...
لَكِنَّهَا...
لَمْ تَتَدَخَّلْ...
لِأَنَّ الْقَصَائِدَ...
حِينَ تَخَافُ...
تَتَحَوَّلُ...
إِلَى خُطَبٍ رَسْمِيَّةْ...
اقْتَرَبَ الْمُدَّعِي الْعَامْ...
كَانَ يَرْتَدِي...
رَبْطَةَ عُنُقٍ...
مَصْنُوعَةً...
مِنْ حِبَالِ التَّأْوِيلْ...
وَقَالَ بِلهْجَةٍ بَارِدَةْ...
هَذَا الْحَرْفُ...
شَوَّهَ الْحَقِيقَةْ...
جَعَلَ الْعُشَّاقَ...
يَبْكُونَ بِلَا سَبَبْ...
وَجَعَلَ الْمُدُنَ...
تَشْعُرُ بِالْخَجَلْ...
مِنْ مَرَايَاهَا...
هَذَا الْحَرْفُ...
خَطِيرٌ...
إِنَّهُ...
يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْأَسْئِلَةْ...
عِنْدَهَا...
ارْتَبَكَ الْوَقْتْ...
وَتَعَثَّرَتْ عَقَارِبُ السَّاعَةْ...
بِجُثَّةِ دَقِيقَةٍ مَنْسِيَّةْ...
وسَقَطَ الصَّمْتُ...
مَغْشِيًّا عَلَيْهِ...
لِأَنَّ السُّؤَالَ...
فِي بِلَادِ اللُّغَةْ...
جَرِيمَةْ...
قَالَ الْحَرْفُ...
أَنَا لَا أُرِيدُ...
إِسْقَاطَ الْمَمْلَكَةْ...
كُلُّ مَا أَرَدْتُهُ...
أَنْ أَقُولَ...
إِنَّ الْحَقِيقَةَ...
أَوْسَعُ...
مِنْ فَمِ الْقَامُوسْ...
وَأَنَّ الْقَلْبَ...
لَيْسَ دَائِمًا...
سُطُورٌ مُنْضَبِطَةْ...
وَأَنَّ بَعْضَ النُّجُومْ...
تَسْقُطُ عَمْدًا...
كَيْ لَا تَرَى...
هَذَا الْخَرَابْ...
سَادَ الصَّمْتْ...
حَتَّى الْبَلَاغَةُ...
نَزَعَتْ مُجَوْهَرَاتِهَا...
وَجَلَسَتْ...
تَبْكِي فِي آخِرِ السَّطْرْ...
لَكِنَّ الْقَاضِيَ...
كَانَ أَكْثَرَ قَسْوَةْ...
قَالَ...
الْحُرُوفُ خُلِقَتْ...
لِتُطِيعْ...
لَا لِتُفَكِّرْ...
لَا لِتَصْرُخْ...
لَا لِتَشْعُرْ...
الْحُرُوفُ...
جُنُودُ الْمَعْنَى...
وَلَيْسَتْ أَنْبِيَاءَهْ...
عِنْدَهَا...
ضَحِكَ الْحَرْفُ...
ضَحْكَةً...
شقَّتْ جِدَارَ الْمَحْكَمَةْ...
وَخَرَجَتْ مِنْهَا...
طُيُورٌ سَوْدَاءْ...
تَحْمِلُ فِي مَنَاقِيرِهَا...
بَقَايَا قَصَائِدَ مُنْتَحِرَةْ...
ثُمَّ قَالَ...
بَلْ أَنْتُمْ...
مَنْ قَتَلْتُمُ الْمَعْنَى...
حِينَ جَعَلْتُمُ اللُّغَةَ...
قَفَصًا...
وَجَعَلْتُمُ الشِّعْرَ...
مُوَظَّفًا حُكُومِيًّا...
يَخَافُ مِنَ الْخَيَالْ...
فَجْأَةً...
انْطَفَأَتِ الْأَنْوَارْ...
وَصَارَ الْجَمِيعُ...
يَسْمَعُ...
صَوْتَ الْحَرْفِ...
وَحْدَهْ...
كَانَ صَوْتًا...
يُشْبِهُ انْهِيَارَ مَجَرَّةْ...
أَوْ بُكَاءَ إِلَهٍ...
نَسِيَ عُبَّادَهُ...
فِي مُنْتَصَفِ الْحُلْمْ...
ثُمَّ حَدَثَ شَيْءٌ غَرِيبْ...
بَدَأَتِ الْحُرُوفُ...
تَهْرُبُ...
مِنَ الْكُتُبْ...
الْأَفْعَالُ...
خَلَعَتْ أَزْمِنَتَهَا...
وَالصِّفَاتُ...
أَحْرَقَتْ وُجُوهَهَا الْقَدِيمَةْ...
حَتَّى النِّقَاطُ...
قَفَزَتْ...
مِنْ فَوْقِ الْحُرُوفْ...
وَأَعْلَنَتِ الْفَوْضَى...
فِي الْبِلَادْ...
وَفِي آخِرِ الْقَاعَةْ...
وَقَفَ طِفْلٌ...
يَحْمِلُ دَفْتَرًا مُمَزَّقًا...
قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتْ...
دَعُوهُ يَتَكَلَّمْ...
فَرُبَّمَا...
كَانَ هَذَا الْحَرْفُ...
آخِرَ شَيْءٍ صَادِقٍ...
فِي هَذَا الْعَالَمْ...
ارْتَجَفَتِ الْمَحْكَمَةْ...
وَسَقَطَ الْقَاضِي...
دَاخِلَ فَاصِلَةٍ نَاقِصَةْ...
وَاخْتَنَقَ الْمُدَّعِي الْعَامْ...
بِحَرْفِ جَرٍّ...
نَسِيَ أَنْ يَبْتَلِعَهْ...
أَمَّا الْحَرْفُ...
فَفَتَحَ نَافِذَةً...
فِي جِدَارِ اللُّغَةْ...
وَخَرَجْ...
خَرَجَ...
تَارِكًا خَلْفَهُ...
كُلَّ الْقَوَانِينْ...
كُلَّ الْقَوَامِيسْ...
كُلَّ الْقَصَائِدِ...
الَّتِي تُشْبِهُ النَّشْرَاتِ الرَّسْمِيَّةْ...
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمْ...
صَارَ الشُّعَرَاءُ...
يَكْتُبُونَ...
وَهُمْ خَائِفُونَ...
لِأَنَّ حَرْفًا وَاحِدًا...
إِذَا تَمَرَّدْ...
قَدْ يُسْقِطُ...
إِمْبِرَاطُورِيَّةَ الصَّمْتْ...